للأسف، يكشف التاريخ السياسي الجنوبي أن كثيرًا من الصراعات التي شهدها الجنوب كانت قائمة على الانتقام والإقصاء ونفي الآخر، وهي ممارسات لم تجلب سوى المزيد من الانقسامات والجراح. واليوم تتكرر المشاهد ذاتها، لكن بصورة أكثر خطورة مع دخول المال السياسي والتأثيرات الإقليمية التي باتت تغذي الخلافات وتعمّق حالة الاستقطاب.

فماذا استفاد الجنوبيون من دورات الانتقام السياسي والاجتثاث والإقصاء؟ وماذا جنت الأجيال المتعاقبة من الصراعات التي مزقت النسيج الاجتماعي وأورثت الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد؟ لم تكن الحصيلة سوى مزيد من الانقسام، وإضعاف المجتمع، واستنزاف الطاقات التي كان ينبغي أن تُسخّر لبناء الوطن وتحقيق تطلعات شعبه.

ومن يعتقد اليوم أنه منتصر وقادر على فرض إرادته على الآخرين، عليه أن يتأمل صفحات التاريخ جيدًا. فقد سبقته أطراف وقوى ظنت أنها حسمت المعركة إلى الأبد، ثم تبدلت الموازين وخسرت ما كانت تعتبره انتصارًا. فالسياسة لا تعرف انتصارات دائمة ولا هزائم أبدية، والتاريخ مليء بالعبر لمن أراد أن يتعظ.

لذلك، ارحموا الجنوب من صراعاتكم، وارحموا شعبكم من حسابات الماضي وثأرات السياسة. حافظوا على ما تبقى من وحدة المجتمع وتماسكه، فليس هناك جنوبي منتصر وآخر مهزوم. عندما يضعف الجنوب يخسر الجميع، وعندما يتمزق المجتمع يدفع الجميع الثمن دون استثناء.

لقد دفع الآباء ثمن الصراعات، وها هم الأبناء يدفعون الثمن ذاته اليوم. ضاعت فرص كثيرة، وتبددت طاقات وأحلام أجيال كاملة، وتعرض الوطن للضعف والاحتلال والتدخلات الخارجية، حتى أصبح الجميع في دائرة الوصاية والتأثير، وأصبحت القوى المتصارعة تُستخدم في كثير من الأحيان لخدمة مصالح الآخرين أكثر مما تخدم مصالح شعبها.

إن اللحظة الراهنة تتطلب مراجعة شجاعة وصادقة، والانتقال من منطق الانتقام إلى منطق الشراكة، ومن ثقافة الإقصاء إلى ثقافة التسامح والتعايش. فالأوطان لا تُبنى بالغلبة، ولا تستقر بالثأر السياسي، وإنما بالحوار والعدالة واحترام التعددية وقبول الآخر.

فالجنوب اليوم لا يحتاج إلى منتصرين جدد، بل يحتاج إلى حكماء يوقفون نزيف الصراعات قبل أن يكتشف الجميع، بعد فوات الأوان، أن الجنوب  كان الخاسر الأكبر وأن الجميع كانوا في النهاية من المهزومين