أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:50 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • رؤية مستقلة لتعزيز الاصطفاف الجنوبي وتشكيل إطار تنسيقي لمكونات الجنوب

    العميد علي زين بن شنظور




    يمر الجنوب بمرحلة مفصلية تتسم بتسارع المتغيرات السياسية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي يفرض على جميع القوى والمكونات الجنوبية الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الاعتبارات الحزبية والتنظيمية والخاصة، والعمل بروح التوافق للحفاظ على وحدة الموقف الجنوبي، وتعزيز حضوره السياسي، بما يخدم استقرار الجنوب ومستقبله.

    وتؤكد التجارب التاريخية للحركات الوطنية أن القضايا العادلة لا تحقق أهدافها بمجرد عدالة مشروعها أو اتساع التأييد الشعبي لها، وإنما بقدرة قواها السياسية والاجتماعية على إدارة التعددية، وتحويلها إلى شراكة وطنية قائمة على التوافق، توحد الجهود وتوجهها نحو الهدف المشترك.

    من هذا المنطلق، فإن قضية شعب الجنوب اليوم أحوج ما تكون إلى صيغة وطنية تكفل للقوى المتبنية لها إطارًا تنسيقيًا سياسيًا جنوبيًا يجمع ولا يقصي، ويوحد ولا ينازع، ويجعل من التنوع السياسي مصدرًا للقوة والإثراء، لا سببًا للانقسام والصراع.

    إن الأزمة الراهنة ليست أزمة غياب قوى سياسية عن المشهد، بل هي أزمة انقسام بين القوى القائمة التي تتبنى قضية شعب الجنوب، ولكل منها دوافعها وحساباتها ورؤاها السياسية.

    وعلى الرغم مما تحقق خلال السنوات الماضية من مكاسب سياسية وميدانية أسهمت في تعزيز حضور قضية شعب الجنوب على المستويين الداخلي والخارجي، فإن التطورات التي شهدها الجنوب خلال المرحلة الأخيرة أفرزت واقعًا سياسيًا جديدًا انعكس في اتساع دائرة التباين بين القوى والمكونات الجنوبية، وتصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، الأمر الذي يهدد بتآكل تلك المكاسب، ويمنح خصوم القضية فرصًا لاستثمار الانقسامات الداخلية بما ينعكس سلبًا على مسارها ومستقبلها.

    من هنا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في وجود قوى سياسية متعددة، وإنما في القدرة على بناء مساحة وطنية مشتركة تجمع هذه القوى ضمن إطار تنسيقي وطني جنوبي، يحول دون انتقال الخلافات السياسية إلى صراعات تستنزف الجنوب، وتضعف موقفه السياسي، وتجعله ساحةً للتجاذبات والصراعات الداخلية.

    وانطلاقًا من هذه المسؤولية الوطنية، تأتي هذه الرؤية مستندة إلى قناعة راسخة بأن العمل السياسي عملية متجددة تقوم على مراجعة التجارب، والاستفادة من الدروس، ومعالجة أسباب التعثر، وتعزيز عناصر القوة، وصولًا إلى بناء شراكة وطنية حقيقية تحافظ على مكاسب الجنوب، وتعزز حضوره السياسي، وتوطد علاقاته الإقليمية والدولية، وتمكن شعب الجنوب من ممارسة حقه في تقرير مصيره وبناء دولته، وفقًا لما يختاره بإرادته الحرة.

    وتنطلق هذه المبادرة الوطنية، التي يتبناها منبر عدن للحوار والدراسات والسلام، من قراءة وطنية مسؤولة تستند إلى المتابعة الدقيقة للواقع الجنوبي، وإدراك طبيعة التحديات والمتغيرات التي تمر بها القضية، وإيمانًا بأن الحوار والتوافق والتنسيق بين مختلف القوى والمكونات هو الطريق الأكثر أمانًا للحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، وحماية قضية شعب الجنوب، وتعزيز فرص نجاحها خلال المرحلة المقبلة.



    أولًا: أهداف الإطار التنسيقي

    يهدف الإطار التنسيقي الوطني الجنوبي إلى تحقيق الأهداف الآتية:

    تعزيز الاصطفاف الوطني بين جميع القوى والمكونات الجنوبية، وترسيخ الشراكة الوطنية بما يخدم قضية شعب الجنوب.

    تنسيق الخطاب السياسي والمواقف الوطنية تجاه قضية شعب الجنوب، والقضايا الأخرى ذات الصلة، بما يعزز وحدة الموقف الجنوبي داخليًا وخارجيًا.

    تعزيز مبادئ التصالح والتسامح، ومعالجة أسباب الخلافات بروح المسؤولية الوطنية، بعيدًا عن الإقصاء أو اللجوء إلى القوة، وترسيخ ثقافة الحوار كوسيلة لمعالجة التباينات.

    تعزيز العلاقات مع الأشقاء والشركاء الإقليميين والدوليين، والعمل على تجنب أي تصعيد سياسي أو إعلامي لا يخدم قضية شعب الجنوب، بما يسهم في تعزيز حضور الجنوب إقليميًا ودوليًا.

    حماية قضية شعب الجنوب من الانقسام والاستقطاب، ومنع تحويل الجنوب إلى ساحة للصراعات السياسية التي من شأنها الإضرار بالمصلحة الوطنية.

    الإسهام في بناء مؤسسات وطنية قائمة على التوافق والشراكة خلال المرحلة الانتقالية، إلى حين التوصل إلى تسوية عادلة لقضية شعب الجنوب، بما يكفل لشعب الجنوب ممارسة حقه في تقرير مصيره وبناء دولته وفقًا لإرادته الحرة.

    إيجاد قناة مؤسسية دائمة للتشاور والتنسيق بين القوى والمكونات الجنوبية المتوافقة على أهداف قضية شعب الجنوب، بما يعزز العمل المشترك، ويوحد الجهود، ويعبر عن الإرادة الوطنية الجنوبية.



    ثانيًا: المبادئ الحاكمة

    يقوم الإطار التنسيقي الوطني الجنوبي على المبادئ الآتية:

    الالتزام بمبادئ التصالح والتسامح، ونبذ العنف والإقصاء، ورفض خطاب التخوين أو التشكيك بسبب الاختلاف في وجهات النظر.

    احترام التعددية السياسية والفكرية، وضمان حق جميع القوى والمكونات الجنوبية في المشاركة الوطنية على أساس الشراكة والتكافؤ.

    اعتماد الحوار الوسيلة الأساسية لمعالجة الخلافات وتسوية النزاعات بين المكونات الجنوبية، والالتزام بالتشاور والتوافق في القضايا الوطنية، وعدم الانفراد بالقرارات ذات البعد الوطني أو المصيري.

    الحفاظ على الأمن والاستقرار وسيادة القانون، ورفض أي أعمال من شأنها تهديد السلم المجتمعي أو المساس بوحدة المجتمع الجنوبي.

    تعزيز العلاقات الأخوية مع دول التحالف العربي ودول مجلس التعاون الخليجي، والعمل من خلال الخطاب السياسي الجنوبي على دعم كل ما من شأنه تعزيز التفاهم والاستقرار الإقليمي، بما ينعكس إيجابًا على قضية شعب الجنوب، ويخدم الأمن والاستقرار والمصالح المشتركة.

    التأكيد على أن حق شعب الجنوب في تقرير مصيره حق أصيل وثابت، وأن أي تسوية سياسية أو ترتيبات انتقالية أو حلول تتعلق بمستقبل الجنوب لا تكون ملزمة إلا إذا استندت إلى الإرادة الحرة لشعب الجنوب، باعتباره صاحب الحق في تحديد مستقبله السياسي، وذلك انسجامًا مع مبادئ القانون الدولي وما أقره الحوار الوطني الجنوبي.

    عدم استخدام الإطار لتحقيق مكاسب حزبية أو شخصية أو فئوية، وإنما توجيه جميع أنشطته لخدمة المصلحة الوطنية العليا وقضية شعب الجنوب.

    احتفاظ جميع القوى والمكونات، كبيرة كانت أم صغيرة، باستقلالها التنظيمي الكامل، وهياكلها الداخلية، وقرارها المؤسسي، مع الالتزام بقواعد وأحكام العمل المشترك التي تنظمها اللائحة الداخلية للإطار وهيئاته الرسمية.

    يحق لأي عدد من القوى أو المكونات أن يندمج فيما بينها تحت أي مسمى جديد، دون أن يؤثر ذلك في حقها أو حق بقية المكونات في الاستمرار ضمن الإطار التنسيقي الوطني الجنوبي، وفقًا للقواعد المنظمة لعمله.

    يلتزم جميع أعضاء الإطار بالاحتكام إلى مجلس المرجعيات الجنوبية عند نشوء أي خلافات أو نزاعات داخلية يتعذر حلها عبر مؤسسات الإطار، ويُعد رأيه مرجعية توافقية تسهم في الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي وتعزيز تماسك الإطار.

    ثالثًا: آلية تنفيذ الرؤية وتأسيس الإطار التنسيقي الوطني الجنوبي

    لتحقيق أهداف هذه الرؤية، تقترح المبادرة تنفيذ الخطوات الآتية:

    1 . الدعوة إلى لقاء وطني موسع، بدعم من الجهات التي تتبنى هذه المبادرة وتساند نجاحها، على أن يقتصر دورها على تقديم الدعم والتسهيل، دون التدخل في أعمال اللجنة التحضيرية أو قراراتها.

    ويضم اللقاء نخبة تمثل مختلف محافظات الجنوب، والقوى والمكونات السياسية، والشخصيات الوطنية، والمرأة، والشباب، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الأكاديمي، ومختلف الشرائح الاجتماعية، باستثناء من يعتذر عن المشاركة، على أن يُحدد عدد المشاركين وفق الإمكانات المتاحة.

    2 . يتولى اللقاء الوطني الموسع اختيار لجنة تحضيرية وطنية من شخصيات تحظى بالقبول والثقة، وتتسم بالحياد والاستقلالية، ولا تنحاز لأي مكون سياسي، وتتولى الإعداد لتأسيس الإطار التنسيقي الوطني الجنوبي.

    3 . يحدد اللقاء الوطني الموسع مهام اللجنة التحضيرية وصلاحياتها، على أن تتراوح مدة عملها بين ثلاثة وستة أشهر، ويجوز تمديدها مرة واحدة إذا اقتضت الضرورة، وينتهي عملها بإعلان قيام الإطار التنسيقي الوطني الجنوبي.

    4 . تجري اللجنة التحضيرية مشاورات سياسية شاملة مع جميع القوى والمكونات والشخصيات الجنوبية، دون استثناء، بهدف الاستماع إلى آرائهم وملاحظاتهم، وتعزيز الثقة، وتوسيع قاعدة التوافق الوطني.

    5 . تتولى اللجنة التحضيرية إعداد مشروع اللائحة المنظمة، والوثائق السياسية والتنظيمية اللازمة، بما يكفل ترسيخ مبادئ الشراكة والشفافية والتوافق في إدارة الإطار.

    6 . تتولى اللجنة التحضيرية التواصل مع الأشقاء في دول التحالف العربي، ومع الجهات الإقليمية والدولية الداعمة لاستقرار الجنوب، بهدف شرح أهداف المبادرة، وحشد الدعم السياسي لإنجاحها، مع الحفاظ الكامل على استقلالية القرار الجنوبي.

    7 . بعد استكمال أعمالها، تدعو اللجنة التحضيرية إلى لقاء وطني موسع لإقرار الوثائق المنظمة، وإقرار الهيكل التنظيمي، وانتخاب أو إقرار هيئات الإطار، وفقًا لما تنص عليه اللائحة المنظمة، ثم الإعلان رسميًا عن قيام الإطار التنسيقي الوطني الجنوبي لقوى ومكونات قضية شعب الجنوب.

    ويتكون الإطار من الهيئات الآتية:

    المجلس الأعلى للإطار: ويضم ممثلين عن جميع القوى والمكونات المشاركة، ويُعد السلطة العليا للإطار، ويتولى رسم السياسات العامة وإقرار التوجهات والقرارات ذات الطابع الاستراتيجي.

    اللجنة التنفيذية: وتتكون من رئيس ونواب وأمين عام وعدد من الدوائر واللجان المتخصصة، وتتولى تنفيذ السياسات والبرامج والقرارات الصادرة عن المجلس الأعلى، وإدارة أعمال الإطار اليومية.

    الهيئة الاستشارية: وتضم نخبة من الشخصيات الوطنية والأكاديمية والخبراء وممثلي مختلف شرائح المجتمع الجنوبي، وتتولى تقديم الرأي والمشورة في القضايا الوطنية والسياسات العامة.

    مجلس المرجعيات الجنوبية: (مجلس الحكماء) ويضم عددًا من الشخصيات الوطنية والاجتماعية ذات المكانة والخبرة، ويتولى الإسهام في احتواء الخلافات التي قد تنشأ بين مكونات الإطار، والعمل على تسويتها وفق مبادئ الحوار والتوافق، كما يُستشار في القضايا الوطنية والمصيرية التي تتطلب توافقًا واسعًا، بما يسهم في تعزيز وحدة الصف الجنوبي والحفاظ على تماسك الإطار.



    الخاتمة..

    إن نجاح أي مشروع وطني يبدأ بتجاوز الخلافات، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة، وترسيخ ثقافة الشراكة والتوافق بين مختلف القوى والمكونات..

    ولن يتحقق استقرار الجنوب، ولن تتجسد تطلعات شعبه، بانفراد طرف بالقرار أو بإقصاء أي طرف آخر، بل من خلال عمل وطني جامع يقوم على الحوار، والاحترام المتبادل، والشراكة في تحمل المسؤولية الوطنية.

    ومن هذا المنطلق، تدعو هذه الرؤية جميع القوى والمكونات الجنوبية إلى التعاطي الإيجابي معها باعتبارها مشروعًا وطنيًا تنسيقيًا جامعًا، يفتح صفحة جديدة من الثقة والحوار، ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطني المشترك، بما يحفظ وحدة الموقف الجنوبي، ويعزز حضور قضية شعب الجنوب على المستويين الإقليمي والدولي.

    والله ولي التوفيق.

    * رئيس منبر عدن للحوار والدراسات والسلام

المزيد من مقالات (العميد علي زين بن شنظور)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال