الأربعاء, 29 يوليو 2026
51
إذا صحت الوقائع الواردة في تقرير لجنة مراجعة المبتعثين، فإن ما كُشف ليس مجرد تجاوزات إدارية، بل فضيحة تمس ضمير الدولة، وجريمة أخلاقية وقانونية بحق مبدأ تكافؤ الفرص، واعتداء صارخ على المال العام ومستقبل الأجيال.
أن تتحول المنح الدراسية إلى إقطاعيات عائلية، وأن تتوارثها الأسر النافذة، ويُستبدل الأخ بأخيه، وتُخفى صلات القرابة للتحايل على القانون، فذلك يعني أن الكفاءة لم تعد معيارًا، وأن النفوذ أصبح هو البوابة الوحيدة إلى حق يفترض أنه مكفول لكل أبناء الوطن على قدم المساواة.
وفي الوقت الذي كان فيه أبناء الفقراء والمتفوقين يحلمون بمقعد دراسي يغيّر مستقبلهم، كان كثير منهم يُدفعون إلى ميادين الحرب أو يُجبرون على دفن أحلامهم، بينما تُمنح فرص التعليم الممولة من أموال الشعب لأبناء المسؤولين والمتنفذين والمحسوبين، وكأن الوطن لم يعد يتسع إلا لأصحاب النفوذ.
إن فساد التعليم أخطر من الفساد المالي؛ لأنه يصنع نخبا قامت على الامتياز لا على الاستحقاق، ويزرع الظلم في نفوس الأجيال، ويقوض ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها.
إن المسؤولية القانونية تفرض فتح تحقيق مستقل وشفاف، ومحاسبة كل من استغل سلطته أو نفوذه، واسترداد الحقوق إلى أصحابها، فالإفلات من العقاب هو البوابة التي يتسلل منها كل فساد.
إن الدول لا تنهار يوم ينضب المال، وإنما يوم يُقتل العدل، وتُسرق الفرص، ويصبح مستقبل الأبرياء غنيمة للفاسدين.
حسبنا الله ونعم الوكيل.
* رئيس شبكة محامون ضد الفساد