> «الأيام» صلاح أبولحيم:

على طول شريط ساحلي يمتد على مسافة 120 كيلومتراً بمديرية أحور محافظة أبين، تتواصل مأساة نفوق السلاحف البحرية في مشهد ينذر بكارثة بيئية وشيكة، يقف خلال ذلك شباب المبادرة التطوعية سداً منيعاً لحماية هذه الكائنات المهددة بالانقراض، في صراع غير متكافئ مع الصيد الجائر والإهمال. يعزو الصيادون المحليون أسباب النفوق إلى "الصيد العرضي" حيث تعلق السلاحف بشباك الصيد الموجهة للأسماك وهو ما يؤدي إلى اختناقها أو إصابتها إصابة قاتلة. غير أن المشكلة أعمق إذ يمارس البعض الصيد الجائر عمداً للاستهلاك البشري أو معتقدات طبية مغلوطة، ما يفاقم معدلات النفوق بشكل خطير. 

  • مبادرون شباب.. أمل يولد من رحم اليأس 
في مشهد يبعث على الأمل رغم قسوة الظروف، برزت مبادرة شبابية تطوعية من أبناء بلدة أحور، استطاعت أن تقوم بدور كبير في الحفاظ على السلاحف والأحياء البحرية. هؤلاء الشباب، الذين لم يتجاوز عددهم العشرين متطوعاً، تحولوا إلى حراس غير مدفوعين الأجر لسواحل مديريتهم، يسهرون الليالي لحماية أعشاش السلاحف ومراقبة الشواطئ.


يقول محمد عبدالله جريفه وهو أحد المؤسسين والمتطوعين بالمبادرة لصحيفة "الأيام": "نحن شباب من بلدة أحور، نؤمن بأن السلاحف جزء من هوية ساحلنا وتراثنا. نخرج يومياً في دوريات تطوعية على طول الشاطئ، نرصد الأعشاش، نضع علامات تحذيرية حولها، وننقذ السلاحف الصغيرة التي تفقس لتصل إلى البحر بأمان. كل ذلك دون أي دعم أو تمويل، نعتمد فقط على إمكانياتنا البسيطة وحبنا لهذا المكان" .


ويضيف"أكبر تحدٍ نواجهه هو الصيادون الذين لا يدركون خطورة ما يفعلونه. نحاول التحدث معهم، نشرح لهم أن السلاحف ليست مجرد كائنات عابرة، بل هي أساس التوازن البيئي الذي يعتمد عليه رزقهم هم أنفسهم. لكننا بحاجة إلى برامج توعوية منظمة، وإلى دعم رسمي يمنحنا الأدوات اللازمة للقيام بدورنا على أكمل وجه" . 
  • غياب الرقابة 
ورغم هذه الجهود التطوعية الجبارة، تغيب الدوريات الرقابية على طول هذا الشريط الساحلي الشاسع، ولا برامج توعوية تستهدف الصيادين، ولا محاسبة للمخالفين الذين يمارسون الصيد الجائر.


يقول أحد متطوعي المبادرة بمرارة: "نحن نعمل بجهود ذاتية، نشتري مواد التوعية من جيوبنا الخاصة، نستخدم دراجاتنا النارية الشخصية في الدوريات. اتصلنا بمكتب البيئة في أبين وعدن أكثر من مرة، لكن لم نجد أي استجابة، كل ما لمسناه مجرد وعود لا غير" . 

  • تأثير النفوق على البيئة البحرية..إنذار بكارثة وشيكة 
تشكل السلاحف البحرية عنصراً أساسياً في استدامة النظام البيئي البحري، حيث تلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على صحة الشعاب المرجانية من خلال تغذيتها على الإسفنجيات التي تنافس المرجان على المساحات، وتساهم في تنظيم مروج الأعشاب البحرية التي تعتبر مشتلاً وحضانة للعديد من الأنواع السمكية. ومع تناقص أعدادها، تختل السلسلة الغذائية البحرية، وتزداد أعداد قناديل البحر بشكل كبير، مما يؤثر سلباً على الثروة السمكية وصحة الإنسان وقطاع السياحة والمصايد.


كما أن التغيرات المناخية والاحتباس الحراري يضاعفان الأزمة، حيث تؤثر درجات الحرارة المرتفعة على تحديد جنس صغار السلاحف، فتزيد نسبة الإناث مقارنة بالذكور، مما يهدد عملية التكاثر ويعجل بانهيار ديموغرافي لا رجعة فيه. إن استمرار النفوق بهذا المعدل على سواحل أحور يعني أننا نقترب بسرعة من نقطة اللاعودة، حيث يصبح الانقراض أمراً محتوماً ليس فقط للسلاحف، بل للتوازن البيئي بأكمله. 

  • مطالب المبادرة.. دعم وتوعية وحماية 
يطالب شباب المبادرة التطوعية الجهات المسؤولة بعدة إجراءات عاجلة، منها توفير الدعم المادي واللوجستي للمبادرة، وتزويدهم بمعدات المراقبة والتصوير وأدوات الحماية، لتمكينهم من القيام بدورهم بشكل أكثر فعالية، و إقامة دورات تدريبية وورش عمل متخصصة للصيادين، لتوعيتهم بمخاطر الصيد الجائر، وتعريفهم ببدائل الصيد الصديقة للبيئة التي تقلل من الصيد العرضي للسلاحف، و تفعيل القوانين الرادعة بحق صيادي السلاحف والمتاجرين بها، وإقامة دعاوى قضائية ضد المخالفين، مع فرض غرامات مالية رادعة تتناسب مع حجم الضرر البيئي، و أخيرًا و الأهم إعلان الساحل الممتد في مديرية أحور منطقة محمية طبيعية تخضع للإدارة البيئية، وإشراك المبادرة الشبابية في جهود الحماية والمراقبة.


يقول أحمد سعيد وهو أحد مؤسسي المبادرة: "نحن لا نطلب الكثير، فقط نريد أن نشعر أننا لسنا وحدنا في هذه المعركة. نريد أن تعترف بنا الجهات الرسمية، أن تدعمنا، أن تسمع صوتنا. السلاحف ليست ملكاً لنا، إنها ملك لهذا البلد، وملك للأجيال القادمة. إذا لم نتحرك الآن، فمن سيتحرك؟" .