أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:16 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الوطن الذي يسكن القلوب

    د. فضل العزب




    إن الأوطان لا تُقاس بمساحتها، ولا تُوزن بثرواتها، ولا تُختصر في حدودٍ ترسمها الخرائط، وإنما تسكن في القلوب قبل أن تسكن في الجغرافيا. فالوطن ليس قطعة أرضٍ نعبرها، بل هو قطعة من أرواحنا، نحملها معنا أينما ارتحلنا، وتبقى تنبض في وجداننا مهما ابتعدت بنا المسافات.

    قد يغادر الإنسان وطنه مضطرًا، لكنه لا يغادره شعورًا. يترك خلفه البيوت والأزقة، والمدارس والأسواق، والمساجد والساحات، غير أن رائحة المكان تظل عالقةً في ذاكرته، وصوت المؤذن، وضحكات الأطفال، وأحاديث الجيران، وملامح الوجوه التي ألفها، كلها تتحول إلى وطنٍ صغير يسكن أعماقه، لا تستطيع السنون أن تمحوه.

    إن قيمة الوطن لا تظهر في أيام الرخاء وحدها، بل تتجلى أكثر في أوقات المحن. حين تضيق الأحوال، وتشتد الأزمات، يدرك الإنسان أن الوطن ليس حكومةً أو مؤسسةً أو مسؤولًا فحسب، وإنما هو الناس الذين يقتسمون الخبز، ويتبادلون الدعاء، ويشد بعضهم أزر بعض. إنه الأم التي تنتظر أبناءها، والأب الذي يكدح من أجل أسرته، والشاب الذي يحلم بمستقبل كريم، والطفل الذي يبتسم رغم قسوة الظروف.

    وكم من وطنٍ أثقلته الحروب والأزمات، لكن أهله ظلوا أكثر وفاءً له كلما اشتدت عليه الخطوب. فالمحن لا تمتحن قوة الأوطان وحدها، بل تمتحن أيضًا صدق الانتماء إليها. والانتماء الحقيقي لا يظهر في الأناشيد والخطب الرنانة، وإنما يظهر في الإخلاص في العمل، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام النظام، ونبذ الفساد، ومد يد العون للمحتاج، والحرص على أن يبقى الوطن بيتًا يتسع للجميع.

    إن حب الوطن لا يعني أن نتجاهل أخطاءه، بل أن نسعى إلى إصلاحها، وأن ننتقد بعقل، ونختلف بأدب، ونتفق على أن مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، وأن مستقبل الأجيال أمانة في أعناق الجميع. فالأوطان لا تبنيها الأمنيات، وإنما تبنيها السواعد المخلصة، والعقول الواعية، والضمائر الحية.

    وليس من الوفاء للوطن أن نلعن الظلام ثم نجلس مكتوفي الأيدي، بل أن نوقد شمعةً حيثما استطعنا. فالمعلم الذي يؤدي رسالته بإخلاص يبني وطنًا، والطبيب الذي يرحم مرضاه يبني وطنًا، والعامل الذي يتقن عمله يبني وطنًا، والكاتب الذي يرفع الوعي وينشر الكلمة الصادقة يسهم في بناء وطنٍ أقوى وأكثر تماسكًا.

    وقد علَّمتنا الحياة أيضًا أن الأوطان تمرض، لكنها لا تموت ما دام في أبنائها رجال ونساء يؤمنون بها، ويصبرون عليها، ويتمسكون بالأمل مهما تعاقبت الأزمات. فكم من أممٍ خرجت من تحت ركام الحروب لتصبح نماذج في النهضة، لأنها جعلت من المحنة بدايةً للإصلاح، لا نهايةً للحلم.

    والوطن الذي يسكن القلوب لا يعرف التمييز بين أبنائه، بل يحتضنهم جميعًا بالعدل والمساواة، ويمنح كل مجتهد حقه، ويحفظ كرامة الإنسان، ويجعل القانون ميزانًا لا يميل، ويجعل المواطنة مسؤوليةً قبل أن تكون امتيازًا. فحين يشعر الإنسان أن وطنه ينصفه، يزداد تعلقه به، ويصبح مستعدًا لبذل الغالي والنفيس من أجله.

    إن الأوطان لا تحتاج إلى من يرفع الشعارات بقدر حاجتها إلى من يترجمها إلى أفعال. فالكلمات الجميلة سرعان ما تذروها الرياح إذا لم تسندها أعمال صادقة، أما العمل المخلص فيبقى أثره شاهدًا على صدق صاحبه، ويغدو لبنةً في صرح الوطن.

    إن الوطن لا يسكن الخرائط بقدر ما يسكن القلوب، وأن حبه ليس موسمًا عابرًا، بل عهدٌ يتجدد مع كل صباح. فإذا صلحت النفوس، وصلحت الإدارة، وساد العدل، وتكافأت الفرص، واجتمعت الإرادات على البناء لا الهدم، عاد الوطن واحةً للأمن والازدهار، ومأوىً للأحلام التي طال انتظارها.

    فالوطن، في نهاية المطاف، ليس مكانًا نعيش فيه فحسب، بل هو معنىً يعيش فينا، وذكرى لا تشيخ، ورسالة نتوارثها جيلًا بعد جيل. ومن أحب وطنه حقًا، جعل من علمه، وعمله، وخلقه، وإخلاصه، طريقًا إلى رفعته، لأن الأوطان العظيمة لا يصنعها إلا أبناء عظماء يؤمنون بأن بناء الإنسان هو البداية الحقيقية لبناء الأوطان.

المزيد من مقالات (د. فضل العزب)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال