أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 09:54 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • من يعلّم السلام لطفلٍ لم يرَ سوى الحرب!

    إلهام محمد زارعي




    كل شيء في الحياة يظهر بالتعلّم ، فالطفل يتعلّم الكلام لأنه يسمعه، والمحبّة لأنه يشعر بها، والخوف لأنه يراه في عيون من حوله. لكنني أتساءل: كيف سيتعلّم الطفل اليمني السلام، وهو لم يرَ سوى الحرب؟ وكيف سيعرف معنى التعايش، وهو يكبر في مجتمعٍ أصبح فيه الاختلاف سببًا للنزاع، وربما للقتل؟!

    تخيّلوا طفلًا وُلد مع بداية الحرب، وكبر وهو يسمع أخبار القتلى أكثر مما يسمع حكايات الطفولة، وعرف أسماء الأسلحة قبل أسماء الزهور، ورأى أسرته تخاف من الغد قبل أن تعلّمه كيف يحلم به. ماذا سنطلب من هذا الطفل حين يكبر؟ أن يكون مسالمًا؟ ومن أين سيتعلّم السلام إن لم نُرِه إيّاه؟!

    وأنا أفكّر في هذا السؤال، أجد أن الحرب نفسها لم تبدأ يوم أُطلقت أول رصاصة، بل بدأت قبل ذلك بكثير، حين تحوّل الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى فكرة، والفكرة إلى سلوك. فالحرب في أصلها فكرة، ولا يكفي أن نواجهها بالسلاح، بل علينا أن نستبدلها بفكرة أعظم وأجلّ، ألا وهي فكرة المحبّة والسلام ووحدة الأسرة الإنسانية.

    وهنا أتوقف عند مسؤوليتنا نحن الكبار. كيف نعلّم أبناءنا ألّا يؤذوا إخوتهم، وهم يرون الكبار يؤذون بعضهم؟ وكيف نطلب منهم احترام الآخرين، ونحن نزرع في أحاديثنا الخوف من المختلفين؟ إن الطفل لا يولد وفي قلبه عدوّ، نحن من نرسم له صورة العدوّ، ثم نستغرب حين يكبر وهو يحملها.

    ولذلك أرى أن السلام لا يبدأ من الاتفاقيات وحدها، بل من بيوتنا، من طريقة حديثنا عن الآخرين، ومن قدرتنا على الاعتذار، والإنصاف، واحترام من لا يشبهنا. يبدأ حين نعلّم الطفل أن الاختلاف لا يُلغي المحبّة، وأن العدالة لا تعني الانتقام، وأن القوة ليست في إيذاء الآخر، بل في القدرة على حمايته حتى حين نختلف معه.

    وكم يؤلمني أن أفكّر في مستقبل اليمن إذا توقفت الحرب يومًا، وبقيت أفكارها في عقول أطفالنا.. فقد نستطيع إعادة بناء البيوت والمدارس والطرقات، ولكن من سيعيد بناء الثقة بين القلوب إذا تركنا الكراهية تكبر مع الأجيال؟

    نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا كيف يتحرّون الحقيقة بدل أن يرثوا الأحكام، وكيف يتعاونون بدل أن يتنازعوا، وأن نفتح لهم المدارس ومساحات اللعب والحوار، ليكتشفوا أن الإنسان ليس عدوًّا للإنسان، وأن الوطن يتّسع للجميع.

    فليس أعظم ما يمكن أن نورّثه لأطفال اليمن أرضًا بلا حرب، بل عقلًا لا يصنع الحرب، وقلبًا لا يرى في الاختلاف عداوة.

    ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس متى تنتهي الحرب، بل ماذا سنعلّم أطفالنا قبلها و بعدها؟ وهل سنترك لهم أفكارنا القديمة التي مزّقتنا، أم نمنحهم فكرة أوسع من خلافاتنا، وأعظم من انتصاراتنا، وأبقى من كل ما هدمناه؟

    فالحرب فكرة تعلّمها الإنسان، والمحبّة فكرة يستطيع أن يتعلّمها أيضًا. وما دام الإنسان قادرًا على تغيير أفكاره، فهو قادر على تغيير مصير وطنه.

    وأتمنى أن يأتي يوم يسأل فيه طفل يمني أباه: لماذا كان الناس يقتلون بعضهم؟ فيجيبه: لأننا تأخرنا كثيرًا في فهم حقيقة بسيطة، وهي أننا جميعًا أبناء أسرة إنسانية واحدة.

    فلا يكفي أن نُسكت صوت الحرب في اليمن، إن لم نزرع في قلوب أطفاله صوتًا أعظم منه.. صوت المحبّة والسلام.

المزيد من مقالات (إلهام محمد زارعي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال