أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حتى لا تنحرف البوصلة

    علي عبد الكريم




     يمثل الوعي وامتلاك الإرادة على الفعل نموذجًا لقوة وتأثير الفعل الإنساني على الواقع السياسي وتكويناته وتعبيراته السياسية: أحزاب وقوى سياسية تمثيلية وذات استقلال، تمتلك كاريزما التأثير المجتمعي على حياة المجتمعات والشعوب، ومشكلاتها السياسية والاقتصادية والمعيشية، وصور مشاركتها في أطر صياغة حياة المجتمعات ومواطنيها.

    هنا تختلف الصورة لتتخذ أشكالًا وتعبيرات شتى بين السكون والحركة، والقبول بالمكتوب لدى البعض، أو السكون المتستر بالقمع والإرهاب وقمع الرأي المخالف لرأي من بيدهم مفاتيح ومصادر أدوات القمع من جانب، وتملّك مرتفعات الثروة بمعانيها المختلفة، بل وتوجيه مساربها صوب تثبيت حركية المجتمع وقواه ضمن توجيه وسيطرة محكمة تعيد تجديد الهيمنة الحاكمة بشكل أو آخر، ضمن قالب جوهره احتكار مزمن لعنصري القوة المالية وتعبيراتها المباشرة: أحزاب، ووسائل إعلام، ومراكز أبحاث، ووجاهات، وعناصر قوة عمادها محاصرة حرية الإبداع والخروج على المألوف، ضمن سياق أمني تتعدد مظاهره وأساليبه، وتتطور مع متغيرات انتقال حركية هيمنة قوة القوة المالية، أفرادًا وهيئات، تحت عباءة مراحل تطور حركية رأسمالية، آخر مراحلها ما بعد العولمة إلى ما بعد النيوليبرالية، وصولًا إلى المرحلة الحالية المتسمة بهيمنة أجهزة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي، داخل مساحة تتصارع معها روح الإنسانية الأبدية، أخلاقًا وقيمًا وحقوقًا، لمرحلة ما بعد الإنسانيّة التي يُراد من خلالها تحويل البشر إلى مجرد أدوات خالية من الضمائر والمشاعر، تحركهم الغرائز لا المشاعر البشرية التي تحترم أولًا إنسانية الإنسان.

    دارت حروب إبادة وتدمير دول وكيانات، وأوليغاركيات المال والقوة تبدع في استخدام أدوات الدمار الشامل، وعند استحقاق قيم ومفاهيم الديمقراطية السمحة وتعبيراتها الأقوى، عملية الانتخابات، تتحرك آلية المال والمال الكثيف والإعلام المرابي لتحاول سحق أي خروج عن العهد القديم: هيمنة القوة، والمال، والإعلام.

    لدى دول دونكيشوت رأسمالية إيلون ماسك وفلول رأسمالية جماعة حائط المبكى الصهيونية الرأسمالية العالمية.

    وفي المقلب الآخر، تعيش الكثير من دول الشرق مرحلة تحول تبحث عن مآلات الخروج إلى فضاء إنساني يحاول إعادة البوصلة تجاه عالم أكثر إنسانية، لعل فوز دي سيلفا أكثر تعبيراته التي تجابه مخاطر آخر مراحل إمبريالية رأس المال.

    في المقلب العربي، نعيش مرحلة اللادولة، فإن وُجدت فهي دولة الحاكم، دولة الأسرة، المشيخة، الزعيم سابق التجهيز، وما يحيط بهذه المسميات من هلاميات ضعيفة أضعفتها لعبة الكراسي، وسهولة الولاءات، وبطء تأثير عمليات التنمية الجذرية الحقيقية. ما تزال أسواقنا تابعة، ودولنا ريعية، وانتخاباتنا شكلية مزيفة.

    نأتي إلى بيت القصيد: ما أفرزته الانتخابات الصهيونية الأمريكية، وما تشهده من حراك شعبي لشعوب أوروبية حية، تشير إلى أن اليمين ما زال، بشكل مطلق، ضد التغيير الجذري لهيمنة رأس المال. الرعب المصاحب لسقوط اليمين الصهيوني رسالة ذات معنى: كيف يُبنى عليها لإنهاء مرحلة صهينة الضمير العالمي تمامًا؟ كما أنها إشارة إلى انتهاء هيمنة القطبية الأحادية.

    كانت الترامبية أسوأ تعبيراتها. العالم يبحث عن مخرج وبديل.

    نحن، في وضع بلادنا الحالي المشتت والمنقسم، علينا مغادرة الكهف إلى أحضان دولة المواطنة الحقيقية، دولة مساءلة، دولة حقوق وواجبات، قانون، دستور نافذ، مؤسسات دولة، لا دولة الشيخ أو الزعيم أو القبيلة.

    حين خرجت الجموع في شوارع أوروبا، كانت تهتف باسم الإنسان وحقه في حياة كريمة، بعيدًا عن الحروب، وبعيدًا عن هيمنة عفريت المال المعولم، بدماء الحروب ومقايضات شيلوك، وبأسواق البندقية بدماء الناس، كما هو جارٍ في غزة، وهو أمر مرفوض من كل الشعوب.

    الانتخابات ليست لعبة صناديق خاوية الضمير، لكنها موقف عقول إنسانية تفكر للغد الآتي لكل البشر، بعيدًا عن عقول من عسكروا الأرض ونهبوا مواردها وسيطروا على مفاتيحها عبر زر نووي، أو عبر كلبشات إعلام معولم يداري الحقيقة كما يشاء الممول أو المخبر أو الزعيم.
    العالم تغير فعلًا، لكن هناك من يحاول إنهاء عالمنا والرحيل إلى كوكب آخر بعد دمار كل شيء.

المزيد من مقالات (علي عبد الكريم)

  • Phone:+967-02-255170

    صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
    كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

    Email: [email protected]

    ابق على اتصال