الجمعة, 06 نوفمبر 2026
126
لا يتوقف التنبيه إلى الفساد عند حدود الاستجابة أو التجاهل؛ فمسؤولية الكلمة تظل قائمة ما دام الخلل مستمرًا، وما دامت المؤسسات تتآكل والحقوق تتعطل. ورغم أن بعض الجهات المعنية تدير ظهرها للأصوات المطالبة بالإصلاح، فإن مواصلة التنبيه ليست عبثًا، بل إيمانًا بأن الوعي قد يوقظ المسؤولية، ويعيد توجيه الانتباه إلى ما يتطلبه الواقع من معالجة.
إن أبناء الشعب ليسوا شركاء في الفساد، كما أن صمتهم لا يعني الرضا أو القبول؛ فقد يكون انعكاسًا لقلة الحيلة، وتراكم الأعباء، وتراجع الثقة في جدوى المطالبة. غير أن هذا الصمت لا ينبغي أن يُفسَّر بوصفه قبولًا باستمرار الاختلالات، فاستعادة الثقة تبدأ حين يجد المواطن صوته حاضرًا في القرار، وحقوقه مصانة في الممارسة.
ونقول للجهات المختصة بوضوح: إن الفساد الإداري لا يقل خطرًا عن الحرب، بل قد يمتد أثره إلى ما هو أبعد. فالحرب ظاهرة، وأخطارها تدفع الناس إلى الحذر، أما الفساد الإداري فهو حرب صامتة تستنزف المؤسسات من الداخل، وتعطل الخدمات، وتبدد الحقوق، وتضعف قدرة المجتمع على التعافي. إنه تدمير بلا ضجيج، لكنه يترك آثارًا عميقة في حياة الناس، حين يتحول الوصول إلى أبسط الحقوق إلى رحلة من المعاناة والانتظار.
إن مواجهة هذا الخطر لا تبدأ بالشعارات، بل بإصلاحات مؤسسية جادة تعيد الاعتبار للمساءلة، وتربط المسؤولية بالصلاحيات، وتضمن شفافية القرارات وعدالة الإجراءات. كما تتطلب تفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش، ومراجعة الاختلالات الإدارية والمالية، وفتح قنوات آمنة للإبلاغ عن الفساد، وحماية المبلّغين من أي ممارسات انتقامية أو إقصاء وظيفي. فالإصلاح لا يتحقق بمعاقبة من يكشف الخلل، بل بمعالجة أسبابه، ومحاسبة المتسببين فيه وفقًا للقانون، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسة والمواطن.
ومن مسؤولية الجهات المختصة أيضًا مراجعة آليات التعيين والترقية، وضمان تكافؤ الفرص، ووضع معايير واضحة لتقييم الأداء، بما يحد من المحاباة ويعيد الاعتبار للكفاءة. فالمؤسسات لا تنهض بمجرد تغيير الأشخاص، وإنما بإصلاح بيئة العمل، وتطوير أنظمتها، وترسيخ ثقافة إدارية تجعل الخدمة العامة مسؤولية لا امتيازًا.
لسنا نطلب المستحيل، بل نطالب بوعيٍ يتحول إلى مسؤولية، وقرارات تعيد للمؤسسات دورها وللمواطن حقه. فالتأخر في مواجهة الفساد لا يؤجل المشكلة، بل يوسع نطاقها، ويجعل كلفة الإصلاح أكثر تعقيدًا. والصحوة الحقيقية لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بقدرة الجهات المختصة على تحويل المساءلة إلى ممارسة، والإصلاح إلى قرارات ملموسة، واستعادة ثقة المواطن إلى أولوية لا تقبل التأجيل.
لن نملّ من الكتابة والتنبيه، وإن أداروا وجوههم؛ فالإصلاح مسؤولية، والصمت عن الخلل لا يصنع وطنًا، والضمائر الحية لا تتوقف عن المطالبة بما يستحقه الناس.
عطاؤنا متواضع، ووفاؤنا مستمر.. ووطننا يستحق أن يعيش نظيفًا.