الجمعة, 06 نوفمبر 2026
116
كُلًّا خرج بقسمه أو توقعات أقرب إلى الواقع مما أظهرته النتائج الأخيرة للانتخابات الأمريكية، كان العالم ينتظرها بلهفة منذ ستة أشهر سبقت، وليس منذ حين بدأت أو انتهت، وكشفت عن مؤشرات لا أحد يستبقها قطعًا، ولكن يسايرها من بعيد، ويرى من خلال هذه النتائج مدى الصدق من الكذب، وإلى أين ستفضي في أغلب مواقع السخونة والنزاعات الإقليمية وحوارات السلام والتسويات في دول الشرق الأوسط وغيرها، التي انتظرت وتأملت في نهاية لأزمات تأكلها وتحرق أخضرها واليابس.
نحن في الجنوب لا ندري ما الذي ينتظرنا مما حدث، وهل كنا نضع هذه الانتخابات في الحسبان؟ لم نقرأ ولو تحليلًا في زاوية يربطنا بما ستكشف عنه إزاحة الستار عما يُطبخ، أو سيغير من الأمر شيئًا. كل اليمن، على ما يبدو، ونحن قد مضينا إلى ما بعد، لم ندخل دائرة الاهتمام التي تعارك الناخبون الديمقراطيون والجمهوريون على كسب مقاعدها، وفاز بها أو بأغلبها، كما ظهر الديمقراطيون، وضرب معسكر الرئيس ترامب ضربة قوية، وأحدثت كثيرًا من التفاؤل لدى دول، وربما خففت من الضغوطات على توجهات سياسية، وقد تغلق حروبًا وترمي بحلول حان وقتها.
لا شيء يعنينا في كل هذا. أوروبا استبشرت خيرًا وهللت تفاؤلًا بما أظهرته النتائج الأمريكية، وتنتظر زحزحة أزمة أوكرانيا وروسيا، وهناك قناعة أوروبية بأن هذه الحرب التي حدثت قد أنهكت بعض دول أوروبا وأكلت ميزانياتها وما تستعيض به للرفاهية أو تحسين الخدمات للمواطنين، وعانت وانخفضت لديها الأموال والمساعدات، واهتزت الشوارع مثل فرنسا، وربما يجتاح أكثر من سيل هُمام بعض العواصم، وسط مخاوف ما بين الحد الأدنى والحد الأقصى للحصول على تسويات وحلول قادمة.
الحرب الإيرانية الأمريكية، والتي تسببت في خسارة الجمهوريين وضربت الرئيس ترامب في خصره، هي الأخرى على أبواب تحول خطير قد يفضي إما إلى احتراق الخليج كله واشتعال عواصمه وتفتت البنية الأمنية والصناعية هناك في لحظة مغامرة لا تُحسب عواقبها، أو التوجه نحو ما تسعى له هذه الدول في نهاية للحرب، وحصول تبدل في الحال والحل الذي تركض دول الإقليم في أن تتفادى الصدام والانهيار الذي سيجنب الخليج الحريق، وسينقل الخليج كله إلى زمن تنمو فيه السكينة والتنمية المشتركة مع كل دول الجوار، وإغلاق كل التهديدات والقواعد والسلاح الزائد عن الحاجة، وتغيير مفهوم الأمن المتكامل لكل الأطراف. وهذا ما تنتظره وتراه أقرب، وهو المكسب العقلاني الذي رمت به النتائج الأخيرة في السياسة الأمريكية، التي هي الأخرى ترى في مخرج بعيدًا عن النيران أنه أسلم، وألا يحدث ما يقوله المثل: (يموت الحمار ولا تنكسر الكبرة).
كل الأسى فيما نعانيه نحن من فقر كبير في مصدر الصناعة الاستراتيجية لسياستنا، لما نريده أو انتظرناه بعد هذه الانتخابات. وعلى ما يبدو، فإن العالم بشق، ونحن وأزمتنا بشق آخر، ولسنا مواكبين لتطورات الأحداث وما سينعكس لإنهاء الحرب في اليمن وتأثيراته على أهل الجنوب وتطلعهم القادم.
حتى إسرائيل أظهرت من خلال ما جرى من انتخابات داخلية لديها ما كشف ارتباطها بما يحدث في أمريكا، وأن الصدمة قد وصلت إليهم مبكرًا، إلا نحن، وكأنما نحن خارج الكون، وندور في جهلنا وقلة عقلنا بإصرار لا حدود له. وهذا يفسر ضعف الثقافة السياسية لدينا، وأن حماقاتنا أكبر مما نتوقع في فهم البحث عن الحلول وإشراك العالم لمساعدتنا، فقد زاد كل شيء عن حده، وتجاوز المعقول في إيقاف ما ليس معقولًا ويحتاج إلى عقول، ولكننا نسأل: إلى متى؟