> د. جيرار ديب:

​ادّعى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده “تقدم خدمة جليلة للعالم أجمع حتى إزالة التهديدات بالبحر الأحمر” بالهجمات التي تشنها ضدّ الحوثيين في اليمن. هذا ما أدلى به روبيو من تصريحات يوم الأحد 16 مارس الجاري، بشأن القضايا الراهنة المرتبطة بالهجمات الأميركية على الحوثيين، في مقابلة على قناة "سي بي إس نيوز" الأميركية.

عذرًا سيد روبيو، كان بوّدنا أن نصدّق أن تلك الهجمات هي خدمة للعالم، لو لم تأخذ الولايات المتحدة خيار الانحياز التام إلى جانب إسرائيل في حربها على قطاع غزة. عذرًا سيد روبيو، ولكن بلادك فقدت دورها كمحايد في معالجة القضايا على الساحة الدولية، وبات الجميع يدرك أن الهجوم الأميركي على حركة الحوثيين يحمل في طياته عناوين كثيرة باستثناء عنوان "الخدمة المجانية" للعالم.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، توعد جماعة الحوثي في اليمن السبت 15 مارس الجاري، باستخدام أعتى درجات القوة ضد قواعدها ومحاسبة الجماعة على هجماتها في البحر الأحمر، مهددًا باستخدام ما وصفها بالقوة المميتة الساحقة ضدها.

في وقت لاحق، أعلنت قناة المسيرة التابعة للحوثيين عن هجمات استهدفت العاصمة اليمنية صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين، كما ذكرت وزارة الصحة التابعة للجماعة أن حصيلة الغارات تعدت الستين قتيلا والعشرات من الجرحى.

تأتي تلك الضربات بأمر مباشر من الرئيس ترامب، واللافت أنها أتت قبل أيام قليلة من توجيه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الثلاثاء 18 مارس الجاري، إلى “جميع سكان قطاع غزة المتواجدين في أياء بيت حانون، خربة خزاعة، عبسان الكبيرة والجديدة”، معلنًا، عن بدء الجيش الإسرائيلي هجومًا قويًا ضدّ المنظمات الإرهابية، محددًا بأنها مناطق قتال خطيرة، فهل من رابط تخطيطي بين الضربات الجوية الأميركية على اليمن وتلك التي تنفذها إسرائيل على القطاع؟

من البديهي أن يربط المتابع تزامن انطلاق العمليات العسكرية بين الأميركي والإسرائيلي، ويضعها تحت خانة "التنسيق" المسبق بينهما. لاسيما بعد إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن "بلاده لن تتوقف حربها على القطاع، حتى يعود جميع الأسرى إلى ديارهم وتحقق أهداف الحرب بالكامل".

"تحقيق الأهداف بالكامل،" هنا تكمن المعضلة، إذ لو كان الهدف هو إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين لدى حماس، لكانت حكومة بنيامين نتنياهو التزمت بالبنود التي خرجت بها مفاوضات القاهرة برعاية قطرية وأميركية، وانطلقت بالجولة الثانية منها، وهذا ما لم يحصل. لهذ يجد المتابع أنّ الأمر لا يرتبط بتحرير الأسرى بقدر ما يحمل العدوان بعًدا إقليميًا يرتبط بمنسوب ارتفاع تهديد ترامب لإيران بعد قيام حركة الحوثيين بالردّ على الضربات الأميركية.

انطلقت الخطة الأميركية مع إعلان نتنياهو، في نيودلهي في 10 سبتمبر من عام 2023 خلال لقاء قمة دول العشرين، عن خارطة طريق لتغيير وجه المنطقة ورسم الممر الاقتصادي الهندي، الذي ستكون فيه حتمًا إسرائيل شريكًا حيويًا عبر مرفأ حيفا وقناة بن غوريون.

لهذا تقاطعت الأهداف بين الإسرائيلي والأميركي، حول هذا الممر، على اعتبار أنّ الأميركي يحتاجه لفرض طوق جيوستراتيجي على الممر الصيني (الحزام والطريق) الذي يعتمد على منطقة الشرق الأوسط كركيزة للانطلاق منها نحو العمق الأوروبي.

تقاطع المصالح لم يتوقف فقط عند احتلال القطاع وتهجير الفلسطيني، بل أيضًا في تأجيج حدة الصراع في البحر الأحمر من خلال عرقلة الملاحة البحرية هناك. إذ يجد الأميركي أن عرقلة الملاحة ستسبب إرباكا للممر الصيني الذي يجد في قناة السويس المسار الطبيعي لتصدير سلعه نحو أوروبا.

على شكل كرة ثلج متدحرجة، تنطلق شرارة الحرب مجددًا، عبر لجوء الأميركي لافتعال الحرب بالتوازي مع بداية الحرب الإسرائيلية على القطاع، هذا ما يعزز فرضية تدحرجها بشكل أوسع، ليطرح السؤال، بعد اليمن وغزة إلى أين ستصل تلك الكرة؟

لا يحتاج ترامب إلى تبريرات لتوجيه الأوامر لقواته بشن سلسلة هجمات على جماعة الحوثي، لأنّ القيام بتنفيذها يعتبرها "ضربة معلم". إذ أن هذه الضربات أتت بعد سجالات عالية النبرة استخدمها مسؤولو الجماعة الذين أعلنوا في بيان مصور أبلغه المتحدث باسم الجماعة يحيى سريع ونشره الثلاثاء 11 مارس الجاري، على منصة إكس قائلًا إن قواتهم تؤكد استئناف حظر عبور كافة السفن الإسرائيلية في منطقة العمليات المحددة بالبحرين الأحمر والعربي وباب المندب وخليج عدن.

"النبرة" العالية لدى الحوثي هي ترجمة واضحة لتلك النبرة الإيرانية المتعالية على تهديدات ترامب في شأن أخذ إيران إلى طاولة المفاوضات بشأن ملفها النووي. تحتاج واشنطن إلى عرض عضلاتها على طهران، لاسيما بعدما نجحت واشنطن في فرض صفقة “كييف” مع موسكو. فهناك من يجد أن مقابل تلك الصفقة تحتاج الولايات المتحدة الكثير من روسيا في ساحات مختلفة، منها “تقليم” أظافر إيران في المنطقة.

إن تناولنا موضوع الضربات الأميركية على حركة الحوثيين، بالإطار “الانتقامي” للرئيس ترامب، يتضح لنا أن تلك الضربات تساهم في فرملة الاندفاعية لمن وقف إلى جانب غزة خلال العدوان الأول. لهذا، أتت العقوبات التي فرضت على أعضاء المحكمة الدولية، والاعتقالات التي ينفذها البوليس بحق الطلاب الذين دعّموا إدانة إسرائيل، وصولًا إلى طرد سفير جنوب أفريقيا من واشنطن، تمهيدًا للمرحلة الثانية من الحرب.

هي ضربات كان الجيش الأميركي في انتظار الإفراج عنها، لاسيما بعد تهديد ترامب الواضح قبل أيام لإيران بأن “ينتظروا مفاجأة” في هذا الخصوص.

على ما يبدو هذه هي المفاجأة غير السارة، والتي تكشفت عن إصرار أميركي بتغيير قواعد اللعبة في المنطقة، وإعلاء شأن إسرائيل على حساب المحور المتمثل في إيران. أمام تعقيدات المشهد، يتساءل البعض هل فعلا أن المشهد ذاهب إلى صدام إيراني – أميركي تحقيقًا لأمنيات ترامب؟
كاتب ومحلل سياسي لبناني - العرب اللندنية