> محمد نون:
رغم قرقعة السلاح وهدير أصوات حاملات الطائرات والقطع العسكرية الأمريكية في جوار إيران والمحيط الهندي، فإن نظرة عميقة في مواقف التصعيد والتهدئة بين طهران وواشنطن، توحي بأن اتفاقا سيحصل في اللحظات الأخيرة ليمنع وقوع ضربات مدمرة تتحول إلى حرب طاحنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
في الشكل فإن الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» شون بارنيل أعلن الثلاثاء الماضي أنّ حاملة الطائرات «كارل فينسون» ستنضم إلى حاملة الطائرات «هاري إس. ترومان» من أجل «مواصلة تعزيز الاستقرار الإقليمي، وردع أيّ عدوان، وحماية التدفق الحرّ للتجارة في المنطقة».
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية نشرتها «بلانت لابز» وجود ست قاذفات قنابل استراتيجية من طراز «بي-2» على مدرج قاعدة دييغو غارسيا الجوية صباح الأربعاء في أرخبيل تشاغوس، وهو إقليم خاضع للسيادة البريطانية في المحيط الهندي.
جاء ذلك بعدما ارتفعت نبرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتهديد بقصف عنيف وغير مسبوق لإيران، فجاء الرد من أعلى هرم السلطة المرشد علي خامنئي بأن الرد سيكون حازما ومزلزلا.
كما سمع العالم الكلام الواضح من علي لاريجاني مستشار المرشد والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي بأن مهاجمة إيران ستدفعها إلى تصنيع السلاح النووي، حيث قال للتلفزيون الإيراني إنه إذا قامت الولايات المتحدة أو إسرائيل، بقصف إيران بذريعة برنامجها النووي، فإن إيران ستضطر إلى التحرك نحو إنتاج القنبلة الذرية.
- انسحاب ترامب الأول من النووي
منذ توقيع الاتفاق النووي في فيينا بين إيران ومجموعة 5 زائد 1(أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين) عام 2105، وحتى قيام الرئيس ترامب بالانسحاب منه عام 2018، كان مسار تنفيذ الاتفاق إيجابيا، حيث التزمت طهران ببنوده بما فيها حدود تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية بنسبة 3.5 في المئة، مقابل رفع كثير من العقوبات عنها وتدفق عشرات مليارات الدولارات إلى خزينتها من أموالها في الخارج.
لكن المكاسب الاقتصادية للأطراف الدولية الموقعة عليه، لم تشمل الشركات الأمريكية التي ظلت محظورة من الدخول إلى السوق الإيرانية الضخمة، بينما سارعت الشركات الأوروبية إلى حصد تلك المكاسب إضافة إلى الشركات الروسية والصينية التي جنت المكاسب الأكبر.
هذه النقطة لم تكن غائبة عن انتقادات الرئيس ترامب للاتفاق في ولايته الأولى حيث شعر بأن المكاسب تصب بالدرجة الأولى في صالح الصين وروسيا وأوروبا، ولا تشمل الشركات الأمريكية التي كانت مضطرة إلى العمل في السوق الإيرانية عبر طرف ثالث كان في معظم الأحيان الطرف الأوروبي.
عندها تذرع ترامب بالحديث عن ثغرات في الاتفاق النووي ووصفه بأنه كارثي، ورفض كل محاولات الحلفاء الأوروبيين لثنيه عن الخروج منه، بمن فيهم الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون والمستشارة الألمانية حينها أنغيلا ميركل، ووزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت بوريس جونسون، واتخذ ترامب قراره الحاسم بالانسحاب وأعاد فرض العقوبات الصارمة وأمهل الشركات الأجنبية بضعة أشهر فقط للخروج من إيران.
- الضربة الأمنية الأقصى
ووجه ترامب واحدة من أقصى الضربات العسكرية إلى إيران في كانون الثاني/يناير من العام 2020 عندما أمر بقتل الجنرال قاسم سليماني لدى خروجه من مطار بغداد برفقة قائد الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، وكان الرد الإيراني سريعا بقصف صاروخي أصاب قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق، لتكون أول قاعدة أمريكية يتم قصفها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.
لم يستطع الوسطاء منع إيران من الرد لكنهم استطاعوا إبلاغ الأمريكيين بموعدها، فلم يسقط قتلى في الجانب الأمريكي، لكن تم الإعلان لاحقا أن عشرات الجنود أصيبوا بارتجاجات قوية في المخ نظرا لشدة القصف الصاروخي الذي لم تستطع المنظومات الأمريكية اعتراضه. ولعل الخلاصة الأبرز التي أدركها ترامب نفسه وبقية المسؤولين العسكريين أن لكل عمل عسكري تبعاته سواء كان محدودا أو غير محدود.
- عودة ترامب الثاني
ومع فوز ترامب بولاية جديدة في انتخابات نوفمبر 2024، وتسلمه مقاليد الحكم رسميا في 20 يناير عام 2025، جاء إلى العالم بسياسة جديدة عنوانها «أمريكا أولا»، فأعلن بوضوح عن رغباته بضم كندا وغرينلاند، وفرضَ رسوما جمركية قاسية على أوروبا والصين وبقية الدول بما فيها حليفته الأقرب إسرائيل (10 في المئة بالمثل)، ورفع شعار استخدام «القوة لتحقيق السلام»، وقلب المشهد في البيت الأبيض على رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي وحلفائه الأوروبيين، ويعمل على فتح صفحة جديدة في العلاقة مع روسيا رغم الغضب الأوروبي، وبالتالي فإن إيران ليست وحدها المستهدفة في سياسة ترامب وتهديداته العسكرية والسياسية.
واللافت أن ترامب أقدم على خطوة هامة باتجاه إيران بتوجيه رسالة مكتوبة ومباشرة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي، عبر دولة الإمارات العربية المتحدة، فقامت القيادة الإيرانية بالرد كتابيا على تلك الرسالة فوصل ردها إلى ترامب عبر سلطنة عُمان.
طبعا، رفض الإيرانيون سياسة التهديد الأمريكية لكنهم فتحوا طريق المفاوضات غير المباشرة، فتلقى ترامب ذلك بإيجابية لكنه أعلن أنه راغب في التفاوض المباشر. وقال إنه يعتقد أن إيران مستعدة للدخول في محادثات مباشرة بشأن برنامجها النووي، وأضاف للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية: «انسوا الخطابات، أعتقد أنهم يريدون إجراء محادثات مباشرة». وأضاف إنه يفضل إجراء محادثة فردية مع إيران، وأنه يعتقد أن ذلك يمكن أن يساعد في تسهيل إبرام اتفاقيات.
- صفقة الحد الأدنى
وفي ظل المواجهة الدائرة في الملفات الشائكة، المتعلقة بالملف النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني، ودور طهران الإقليمي مع حلفائها في غزة واليمن والعراق ولبنان، يبدو من المنطقي أن يتجه الطرفان الأمريكي والإيراني نحو العمل لإيجاد «مساحة الحد الأدنى من التفاهم المشترك، تمهيدا لمقاربة هادئة لبقية الملفات المعقدة».
تلك المساحة تتعلق بالمصلحة المباشرة للجانبين، وبالتحديد في الجانب الاقتصادي، فهو جوهر ما يبحث عنه الطرفان حيث تريد إيران رفع العقوبات الأمريكية عنها لإنعاش اقتصادها الذي أنهكته تلك العقوبات، بينما يبحث ترامب في كل العالم عن مصادر تعزيز الخزينة الأمريكية، وهو يعلم مدى أهمية إيران في قطاع النفط والغاز والمعادن، وفي مدى تأثيرها على سلامة طرق الملاحة البحرية سواء في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي تملك مفاتيح أقفاله، أو باب المندب في البحر الأحمر والذي يسيطر عليه حلفاؤها الحوثيون في اليمن.
من هنا يمكن القول إن التوصل لاتفاق اقتصادي إيراني – أمريكي سيكون مدخلا لتطبيق سياسة «رابح – رابح»، فرفع العقوبات سيعيد إحياء وتجديد الاتفاق النووي ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مراقبة البرنامج النووي الإيراني، كما أن إقلاع ترامب عن تهديد إيران، سيمهد الطريق أمام الاستثمارات الأمريكية كما الأوروبية في إيران، والتفاهم على الأمن الإقليمي سيستلزم من ترامب وضع حد نهائي للحرب الإسرائيلية على غزة وحينها ستقوم إيران بتشجيع حلفائها الحوثيين على فتح باب المندب والتوقف عن عرقلة الملاحة في البحر الأحمر.
وعلى العكس من ذلك فإن هناك شبه إجماع في عواصم القرار في المنطقة وبقية العالم بأن المواجهة العسكرية الأمريكية – الإيرانية ستكون مدمرة لمصالح الجميع، لذا من المستبعد أن يخوض ترامب حربا مع إيران (الصاروخية – والنووية لاحقا) على مساحتها الشاسعة التي تتجاوز مليونا و648 ألف كيلومتر مربع، وتقارب مساحة آلاسكا (أكبر ولاية أمريكية 1.7 مليون كيلومتر مربع)، في الوقت الذي لم تستطع فيه حليفته إسرائيل حسم الصراع عسكريا على مساحة صغيرة في قطاع غزة الفلسطيني رغم كل الدعم الأمريكي العسكري والمالي والسياسي منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن .
عن "القدس العربي"