عدت للتو من زيارة قصيرة إلى صنعاء وعدن، محمّلًا بوجعٍ ثقيل، وصور موجعة لوطنٍ يتهاوى بصمت، وشعبٍ يموت بالبطيء، تحت أنظار الجميع.

في كل شارع، وعلى وجوه الناس، رأيت الخوف، واليأس، والخذلان. لم أعد أميز من يحكم من، ولا من يمثل من، فالمواطن تائه، مرعوب، مكسور الخاطر، لا يرى في الأفق من يُشبهه أو يُنقذه، لا دولة تُطَمْئنه، ولا مشروع يَمنحه الأمل، ولا حتى كذبة قابلة للتصديق.

إن سلطات الأمر الواقع، سواء في صنعاء أو عدن، لا تعنيها لا الوحدة، ولا الانفصال، لا الوطن، ولا المواطن. ما يعنيها فقط هو بقاء الحال على ما هو عليه، لأن هذا “الركود المرعب” وحده يضمن استمرار تجارتهم القذرة: تجارة الدم، والنهب، والولاءات المستأجرة.

لقد تمّ رهن اليمن بالكامل للرعاة الخارجيين. لم يعد من يحكمنا وكلاء نفوذ فحسب، بل صاروا موظفين في مشاريع لا علاقة لها باليمن، لا من قريب ولا من بعيد. صار القرار الوطني مؤجرًا، والأرض مستباحة، والسيادة نكتة سمجة لا يجرؤ أحد على ترديدها.

تزامنًا مع هذا الانحدار، تتنقّل قيادات هذه المرحلة بين فنادق الرياض وأبوظبي، تتخَم بالولائم والمخصصات والصفقات، فيما يتنقّل الشعب المسحوق بين سواحل عدن والحديدة بحثًا عن نسمة هواء تقيه لهيب الصيف. إنها مفارقة العصر: شعبٌ يتصبّب وجعًا… وقياداتٌ تتخمُ فسادًا.

المواطن اليوم بلا راتب، بلا خدمات، بلا كهرباء، بلا أمن، بلا دواء، بلا أفق. وجهه منهك، وصوته خافت، وذاكرته تئنّ من خيبات متراكمة. لقد خذله الداخل والخارج، القريب والبعيد، فلم يعد يحلم إلا بالبقاء على قيد الحياة… فقط.

وفي لحظة كهذه، لا أجد أقرب إلى العقل والوجدان من التوجه بنداءٍ صادق إلى أحد آخر الأصوات المتبقية من زمن الدولة، ومن زمن الموقف الوطني الذي لا يُشترى ولا يُباع: الرئيس علي ناصر محمد.

لقد كنتم، يا فخامة الرئيس، دومًا صوت العقل والحكمة، وكنتم الأقرب إلى نبض الناس وقضاياهم. واليمن اليوم أحوج ما تكون إلى تلك الحكمة التي لا تُقصي أحدًا، وإلى مشروع جامع ينقذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن تتحوّل البلاد إلى خرائط مصالح في أدراج الخارج.

إننا نقترب – إن لم نكن قد بلغنا – لحظة الانفجار أو الانهيار التام. لا وقت للمجاملات. لا مجال للانتظار. وليس أمام من تبقى من الوطنيين الصادقين إلا أن يتحركوا… الآن، قبل أن تضيع آخر الأوراق من يد هذا الوطن.

أختم مقالي برسالة شخصية لكل من لا يزال يؤمن بأن لهذا البلد حقًا في الحياة: إذا كانت هناك تحرّكات وطنية جادّة قيد الإعداد، أو نواة مشروع جامع بصدد التشكل، فإني أعلن جهوزيتي الكاملة لأكون حيث يجب أن أكون، ومع من تبقى من الأوفياء لهذا الوطن المنهك.

حفظ الله اليمن، ورحم شهداءه، وشفى جرحاه، وهدى من ضلّ طريقه فيه.