> ميشيلا حداد/ هاني سالم مسهور:

​في عالم ما بعد الحرب الباردة لم تُختبر الأوطان العربية بحدودها فقط، بل بجوهرها. حين اجتاح العراقُ الكويت عام 1990، لم يكن التذرّع بفكرة “الضم واللحاق” مجرد حيلة سياسية، بل كان إعلانًا صريحًا بانهيار ما تبقى من قدسية الحدود في الوعي العربي الرسمي. على النهج ذاته، اجتاح نظام صنعاء الجنوب اليمني في صيف 1994، واستباح مشروع الوحدة من بوابة الغزو لا من باب التعاقد الطوعي، فانهار بذلك آخر ما تبقّى من فكرة الوحدة النزيهة، لتحلّ محلّها شهوة السيطرة.

كانت تلك اللحظات بمثابة إيذان بانحدار مفهوم الدولة، وإحلال منطق “القوة فوق الشرعية” في الجغرافيا العربية، وسط نظام دولي مأزوم، انهارت فيه القطبية، وبرزت قوى إقليمية تسعى إلى إعادة رسم الخرائط لا على أساس الحق، بل على أساس النفوذ والغلبة.

ولكن هل هو قدر الشعوب الضعيفة أن تبقى مجرّد كعكة يتقاسمها الكبار على مائدة النظام الدولي المتقلّب؟ فأمام كل استحقاق تتبدل فيه الموازين الدولية، تشطب القوانين والأعراف والسيادة أمام الأسياد الكبار.

الشرق الأوسط وبعد طوفان الحرب المدمرة التي خاضتها إسرائيل على جبهات سبع جرفت حدود سايكس – بيكو وجعلتها متحركة من لبنان إلى سوريا حيث الدروز والعلويون أمام استحقاقات مصيرية، إضافة إلى تراجع القضية الكردية أمام القرار التركي وصولا إلى العراق. ليأتينا توماس باراك المبعوث الأميركي، ويخبرنا أن سايكس – بيكو كانت خطأً تاريخيا ومن ثمة يدعو إلى وحدة سوريا. تناقضات تثير الشكوك حول نوايا واشنطن. هل هي فعلا محاولة لدعم سيادة الدول، أم تمهيد لتقسيمات جديدة تحت مظلة شراكات إقليمية مع تركيا؟

فحتى لو افترضنا أن باراك أساء التعبير فإن كلامه عن أن السوريين ينظرون إلى لبنان على أنه ريفييرا أو منتجع سياحي لا يجوز لأنه لا يدل سوى على ذاكرة انتقائية للأميركيين الذين قرروا تعويم نظام دمشق متجاهلين مليوني سوري يقيمون في الريفييرا اللبنانية ويشكلون عبئا على الدولة اللبنانية ولا يسأل عنهم أحمد الشرع أساسًا.

كما أن هناك فرضية أخرى تجنح نحو تسهيل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى بتحويل دول الجوار إلى دويلات طائفية. إسرائيل التي لا تُخفي مشروعها التوسعي بل تُعلنه: شرق أوسط جديد خاضع لنفوذها وشروطها بحكم الأمر الواقع، تبيع فيه الأمن، وتشتري الصمت، وتقدّم الحماية مقابل التنازل.

عندما وصّف وليد جنبلاط زعيم الدروز في لبنان هذا المأزق الوجودي بعبارة شهيرة قالها في إحدى المقابلات الصحفية “لبنان ليس دولة مستقلة. لدينا البحر، ولدينا إسرائيل، ولدينا سوريا.” ذلك لأن قدر لبنان أن يبقى أسير الجغرافيا بانتظار لحظة وطنية جامعة مشابهة للحظة مفصلية من تاريخ لبنان.. عنوانها إعلان دولة لبنان الكبير.

إذا عدنا إلى العام 1918، فالتوازنات التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى كانت تفترض إنشاء مملكة عربية بقيادة الأمير فيصل. إلا أن الإنجليز أحبطوا هذا الطموح بالتضامن والتكافل مع فرنسا التي أنشأت كيانين منفصلين، سوريا ولبنان، لتطوي صفحة متصرفية جبل لبنان.

سايكس – بيكو لم تكن مجرد خطوط على خريطة، بل مشروعاً استعمارياً لتكريس الهيمنة عبر تقسيم الشعوب وزرع الانقسامات الطائفية. في هذه المرحلة عبر لبنان سلسلة مخاضات ونضال طويل بقيادة البطريرك يوسف حويك انتهى بانتصار “لبنان الكبير” بحدوده الحالية، لكنه سرعان ما تحول إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية.

فمنذ أن صاغ حافظ الأسد منظومة “دول الصمود والتصدي”، تحوّل لبنان إلى ساحة تتنازعها الطموحات الإقليمية، ومع اندلاع الحرب الأهلية، فُرضت عليه وصاية سورية غير معلنة، غلّفتها شرعية عربية مؤقتة، وبمباركة أميركية، لتتحوّل لاحقًا إلى نظام تحكم خفي في القرار اللبناني، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى الإعلام تحت شعار وحدة المسار والمصير.

ظل لبنان لعقود تحت هذه الوصاية، إلى أن ورثتها نسخة طائفية منها، تجسّدت في “حزب الله”، الذي ربط لبنان بمشروع أيديولوجي عابر للحدود اسمه ولاية الفقيه. وهكذا، انتقل لبنان من وصاية قومية إلى هيمنة مذهبية، من دمشق إلى طهران بهدف إلحاقه بالجمهورية الإسلامية الكبرى بالطاعة والولاء.

لكن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وما تبعه من تهاوي التحالفات التي كانت تسند هذا النموذج، فتح الباب أمام طرح جديد، جاء من خارج الجغرافيا المعتادة. طرحه المبعوث الأميركي توماس باراك تحت عنوان “لبنان الكبير”، وهو ليس توسعة جغرافية كما قد يُفهم، بل محاولة لإعادة تعريف الدولة اللبنانية وفق منطق السيادة الكاملة، ونزع السلاح الموازي، واحتكار القوة في يد الدولة، مقابل حزمة إصلاحات اقتصادية، ودعم دولي مشروط.

الطرح الأميركي يأتي في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، حيث الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الأخيرة، التي استمرت اثني عشر يومًا، غيّرت قواعد الاشتباك، وفتحت الباب لنفوذ إسرائيلي غير مسبوق. فلأول مرة منذ نكبة 1948، نشهد صعودًا حادًا ومعلنًا للدور الإسرائيلي، ليس داخل حدود فلسطين فقط، بل في عمق الجغرافيا العربية، عبر تحالفات أمنية، واختراقات اقتصادية، ومسارات تطبيع تُقدّم بوصفها “الخيار الأقل سوءًا.”

أحداث السويداء جاءت لتجسّد هذه المرحلة الجديدة التي تبدأ فيها حدود سايكس – بيكو بالتحلل. فغياب الدولة الوطنية شرّع لإسرائيل فرض إرادتها على سوريا وتحريك خيوط المواجهة لتحيك حدودا وهمية جديدة قد تكون مقدمة لانتزاع ممر داوود الذي تطمح لإنشائه بعدما حيدت قدرات الردع السورية واستغلت حالة الفوضى الأمنية، فحين تصبح إسرائيل شريكًا في رسم خرائطنا، نكون قد تجاوزنا حدود التطبيع.. ودخلنا عصر الإنكار والانحدار.

هنا يكمن الخطر الحقيقي: حين تُطرح الخيارات على الشعوب العربية في ثنائية خادعة: “إما سلاح إيران، أو نفوذ إسرائيل،” أو “إما خطر أمني يواجه الأقليات في سوريا أو حماية إسرائيل” يتحوّل الوطن إلى ورقة تفاوض لا أكثر. وكأننا لم نقدّم الدم دفاعًا عن السيادة، ولم نرفع أعلام الاستقلال إلا ليُعاد تمزيقها بمسميات أكثر نعومة.

هذا المنطق خطير، لأنه يُكرّس استعمارًا ناعمًا، لا بالدبابات بل بخريطة جديدة، نُرغَم على قبولها تحت شعار الواقعية السياسية.

الواقعية الحقيقية تبدأ من قراءة التاريخ لا دفنه، ومن احترام إرادة الشعوب لا فرض المصالح عليها، واقعية تعترف بموازين القوى لتعيد بناء الدولة، واقعية لا تستسلم لمنطق الهيمنة.. الهيمنة الداخلية قبل الخارجية فعندما يخرج رجل دين يهدد بنزع أرواح من يطالب بنزع سلاح حزب الله فإنه يضع الشعب أمام خيار التنازل عن السيادة مقابل التحرر من هيمنة فئة تحتكر السلاح وتتحكم بقرار الدولة وتسيطر عليها.. فالسيادة كما الأمن لا تجزأ.

مشهد تحلل الحدود وتحليل تعديلها خطير خاصة إذا ما انطلق من الرئة السورية. لأن النموذج القائم في سوريا وإن كان يحاول أن يسلك طريقا مستقيما حتى الساعة يأتي نتاج فكر متطرف قد يمكن استنساخ تجربته من قبل نماذج مشابهة تطمح لانتزاع الشرعية كجائزة ترضية لمن يملك السلاح والوقت الكافي للصمود.

ففي أقصى جنوب خريطة العالم العربي، يتجدد اليوم حلم آخر لا يقل خطورة: “اليمن الكبير”. إنه الحلم الإمامي العتيق، الذي ظل ساكنًا في الوجدان الزيدي منذ القرن التاسع الميلادي، وتجدد بلبوس معاصر مع صعود جماعة الحوثي، التي ترى في اليمن نواة لحكم أوسع يشمل الجزيرة العربية.

فهذا المشروع لا يتوقف عند حدود صعدة أو صنعاء، بل يتسلل بخطاب الحق الإلهي ليشمل الخليج، وعموم الجزيرة، مدّعيًا الوصاية باسم “الولاية” لا المواطنة.

وكما تُطرح في لبنان دولة مدنية فوق أنقاض السلاح، يُطرح في اليمن مشروع سلالي فوق أنقاض الدولة. وكما أن “لبنان الكبير” يتطلب هندسة جديدة للسيادة تحت مظلة دولية، فإن “اليمن الكبير” يتغوّل بهدوء القنص، متكئًا على الفراغ، وعلى هشاشة الدولة، وعلى سردية المظلومية المزمنة.

وليست سوريا بعيدة عن هذا السياق. فقد بشّر أنطوان سعادة، مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي، في ثلاثينات القرن الماضي، بمشروع “سوريا الكبرى”، الذي يضم لبنان، وفلسطين، والأردن، والعراق، وحتى قبرص، في وحدة جغرافية – حضارية تُبنى على سردية “الحق الطبيعي” لا على حدود سايكس – بيكو.
ورغم أن المشروع حمل طابعًا علمانيًا في منطلقاته، إلا أنه وُظّف لاحقًا من قبل النظام السوري لتبرير هيمنته على القرار اللبناني، ولشرعنة تدخلاته في الجوار تحت راية “المشرق الواحد”. وهكذا، فإن منطق التوسع باسم “الطبيعة التاريخية” لا يختلف كثيرًا عن منطق التمدد باسم “المظلومية المذهبية”، كلاهما يُقايض الجغرافيا بالسيطرة، ويغتال الدولة باسم التاريخ.

هذه النماذج – تونس البورقيبية والمغرب الملكي – تؤكد أن مشروع الدولة الوطنية العربية لم يكن وهماً، بل خياراً قابلاً للتجسّد حين توفّرت القيادة الشرعية والرؤية الحديثة. ففي مقابل خرائط الوصاية التي أعادت إنتاج العنف والانقسام في المشرق نجح المغرب العربي في تثبيت صيغة مدنية للسلطة، لا تستقوي بالسلاح ولا تستند إلى مظلومية مذهبية. فالحبيب بورقيبة أسّس جمهورية على قاعدة التعليم والعقلانية القانونية، بينما رسّخت الملكية المغربية توازنًا تاريخيًا بين الشرعية التقليدية والتحديث التدريجي.

وإذا كان المشرق يُطرح اليوم كمسرح لإعادة تعريف الدولة تحت لافتات دولية ومشاريع أمنية، فإن المغرب العربي – رغم التحديات – قدّم نموذجًا صامتًا للاستقرار، لا يخضع لوصاية ولا يُفرّط بالسيادة. وهذا ما يجب أن يُستعاد: ليس فقط نقد مشروعات الانهيار، بل الاحتفاء أيضًا بتجارب البناء التي حافظت على كيان الدولة دون أن تتحوّل إلى أداة في يد الخارج.

نعم، نحتاج إلى نزع السلاح خارج سلطة الدولة. نعم، نحتاج إلى إصلاح عميق في بنية الحكم اللبناني واليمني والسوري والعراقي. لكن لا يجوز أن يكون الثمن هو السيادة ذاتها، ولا أن يُطرح الوطن في مزاد التسويات الدولية.

إن الأوطان العربية ليست كيانات رخوة بلا ذاكرة. شعوبها، رغم كل الخيبات، تملك ذاكرة طويلة من الكفاح، وثقافة مقاومة حقيقية، لا تلك المملوكة لمحاور. وهي قادرة، متى سنحت الفرصة، أن تُعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية، القائمة على الإرادة الشعبية لا على معادلات الخارج.

فالأوطان لا تُبنى على عقد نقص تجاه النفوذ الإقليمي، ولا على استبدال وصاية بوصاية، ولا على اجترار خرائط قديمة تحت مسمّى الواقعية الجديدة. الواقعية الوحيدة التي يجب أن تُحترم، هي واقعية التاريخ، وحقوق الشعوب، وكرامة الإنسان.

وإذ يُطرح “لبنان الكبير” بوصفه حلًا، فلا بد من الحذر من أن يتحوّل إلى إعادة إنتاج لوصاية جديدة، بوجه مختلف، وبأدوات أكثر نعومة. فلبنان لا يحتاج إلى خرائط مستعارة، بل إلى استعادة سيادته التي صادرتها الميليشيات أولًا، ثم التحالفات الخارجية ثانيًا، ثم الصفقات الدولية ثالثًا، والتي لم تُقم وزنًا يومًا لمعاناة الإنسان اللبناني.

النظام الدولي، الذي بارك سايكس – بيكو، وكرّس وصاية دمشق على لبنان في سبعينات القرن الماضي، وصمت عن هيمنة حزب الله لعقود، يقف اليوم أمام مفترق طرق. فتصريحات توماس باراك قد تبدو بمثابة إعلان عن نهاية التدخل الغربي، لكنها قد تخفي في طياتها مخاطر وصاية جديدة، متسترة خلف شعارات الإصلاح والسيادة. سئمنا أن تطرح الأوطان العربية في مزاد التسويات الدولية، بين النفوذ الإسرائيلي والطموح الإيراني، وما بينهما من شلل المؤسسات الدولية وسئمنا من بقاء الوطن مجرد ورقة تفاوض، والسيادة حلم مؤجل. ومع ذلك، لن يتحقّق هذا الحلم إذا ظل النظام الدولي يستخدم أوطاننا ساحات لتصفية الحسابات، سواء عبر دبابات أو عبر صفقات ناعمة.

يبدو أننا أمام نقطة تحول في بنية النظام الدولي، فلطالما ارتبطت التحولات الكبرى في هذا النظام بارتدادات تمسّ كينونة الدولة الوطنية العربية الحديثة. وكانت مصر، التي شكّلت مركز الثقل القومي العربي، هي حائط الحماية الأول.

فهي التي رفضت دعوة عبدالكريم قاسم لضم الكويت، ثم وقفت ضد احتلال العراق لها عام 1990، ورفضت كذلك – ولو بالحد الأدنى – مشروع إلحاق عدن بصنعاء، كما أكد ذلك الرئيس الراحل حسني مبارك ووزير خارجيته آنذاك عمرو موسى.

ذلك “الحد الأدنى” المصري لم يكن مجرد موقف سياسي، بل كان تعبيرًا عن قيمة راسخة في تكوين الدولة الوطنية، بكل اعتبارات التاريخ والهوية والسيادة.

وهو ما ينبغي على القاهرة أن تستحضره اليوم، إذ أن الخطر الذي يحدق ببيروت وعدن وسواهما من العواصم العربية يستدعي أن تستعيد مصر دورها السياسي العربي، بما يُردف الدور الإماراتي، الذي يبدو اليوم الأوحد عربيًا في تمسكه الواعي بمفهوم الدولة الوطنية، في مواجهة العواصف التي تعصف بالمنطقة.

وهنا نسأل… هل نسيتم من أنتم؟ أأنتم أحفاد الثورات العربية التي طردت المستعمر، أم وكلاء جدد يعيدون رسم الخرائط بأيدي الغريب؟ من منحكم الحق في التصرف بأوطان لم تبنوها، وبحدود رسمها الشهداء بالدم لا بالحبر؟ أهذه هي الدولة الوطنية التي تريدونها؟ أن تستبدلوا وصاية الفقيه بوصاية المحتل، وأن تتاجروا بخرائطنا كلما تغيّر النظام الدولي؟ لبنان ليس حقل تجارب، كما أن اليمن الجنوبي لم يكن ساحة للضم، ولا الكويت كانت فرعًا للعراق. هذه أوطان لها تاريخها، ذاكرتها، وكرامتها. لا تقولوا لنا إن هذه ضرورات منطق السياسة، فالسياسة التي تُفرّط بالوطن ليست حنكة.. بل خيانة. والشعوب التي صمتت طويلًا، ليست غافلة، بل تترقّب. والساعة التي تنتصر فيها الذاكرة على النسيان.. قادمة.
عن "العرب اللندنية"