من يمعن النظر في المشهد اليمني اليوم سيجد أن البلاد تُدار بـ "وكلاء" لا بـ "أصلاء"، وأن القرار الوطني – في جوهره – لم يعد يمنيًا خالصًا منذ سنوات. فقد أصبح كل طرف سياسي أو عسكري أو حتى إعلامي، يضع قدماً في الداخل وأخرى في رِحاب الخارج، يتحرك ضمن أجندات مموليهم، ويرفع شعارات السيادة وهو يفاوض باسمه لا باسم الوطن.

لقد اختنق اليمن بجلباب الوصاية، ولبسه الجميع من الشمال إلى الجنوب، من صنعاء إلى عدن، وكل جهة تزعم أنها الأحرص على المصلحة الوطنية، وهي في الحقيقة لا تجرؤ على اتخاذ قرار واحد دون الرجوع إلى “الراعي الإقليمي” أو “الشريك الدولي”.

لم تعد المأساة في أن الخارج يتدخل، بل في أن الداخل صار يُراهن على ذلك التدخل كوسيلة للغلبة أو البقاء، فكل طرف يعوّل على داعمه الخارجي لا على قوة مشروعه الوطني، ولا على إرادة الشعب الذي أنهكته الحرب والتجويع والتشظي.

فهل آن الأوان لخلع هذا الجلباب المهين؟

هل نستطيع – ولو لمرة – أن نضع اليمن أولًا، قبل الولاء لهذا المحور أو ذاك؟

هل يمكن أن يرتدي اليمنيون جلبابًا واحدًا اسمه “الوطن”، لا تتعدد ألوانه بتعدد السفارات والعواصم؟

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الوكلاء، بل إلى أصلاء، صادقين، قادرين على كسر حلقة التبعية، ووضع أسس توافقية تُعيد الاعتبار لسيادة القرار. فكل تأخير في استعادة الإرادة الوطنية هو تمديد لزمن الضياع، وتغذية لنيران الصراعات التي لا رابح فيها.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى صوت يمني خالص، يعيد تعريف المصالح، ويكسر قيود الوصاية، وينحاز للناس لا للأنظمة، للحل لا للهيمنة، للبناء لا للخراب.

فهل نملك الشجاعة لنكون يمنيين فقط… دون وكلاء؟