لم تكن تلك قطرات مطرٍ عابرة، بل كانت دموع السماء على مدينة لم تعد تُحتمل. كلما هطلت وابلة، كلما انكشف عورات "سلطات" تتبارى في تسويق الأوهام، وتتقاسم كعكة المشاريع الوهمية، بينما يغرق المواطن في وحل الإهمال وقبح المشاهد.
عدن، اللؤلؤة التي خطفوا بريقها، لم تعد "بين السامع والدامع" كما في قصيدة الشاعر، بل صارت تحت رحمة كل سامعة وكل دامعة. لقد حولتها الأمطار إلى بحيرات آسنة، وإلى شوارع ممزقة تكشف عن "بنية تحتية" أشبه بجثة متعفنة، تنبشها أدنى هزة طبيعية لتبين فشل ذريع لم يشهد له تاريخ المدينة مثيلًا.
لا تلاموا الغيث، فالمطر نعمة، ولكن نقمة الإدارة هي التي تحول النعم إلى كوارث، فالسيول التي اجتاحت أحياء عدن ليست إلا محصلة طبيعية لسنوات من:
- شبكات صرف صحي وهمية: مشاريع بملايين الدولارات ذهبت أدراج الرياح، أو نفذت بعقول "مغسولة" لا تفرق بين تصميم صرف صحي وبئر غرق. كل مشروع كان حلماً يباع للجمهور، وينتهي به المطاف تحت أول مطر ليكشف أنه كان سرابًا.
- تجاوزات وقتالة بيئية: القضاء على المساحات الخضراء والمسطحات المائية التي كانت تمتص الفائض، وردم البحيرات، والبناء العشوائي في مجاري الأودية، كلها جرائم ارتكبت في وضح النهار تحت سمع السلطات وبصرها، بل وبموافقاتها!
- ثقافة "الترميم المؤقت": عقلية إسعافية لا ترى أبعد من نهاية موسم الأمطار. تطمر الحفر بالتراب، وتُهدر الأموال على عمليات تنظيف مسرحية، وكأن المدينة بحاجة إلى "غسيل وجه" وليس إلى "عملية قلب مفتوح" لشرايينها المتصلبة، فالضحايا في آخر المطاف إنسان يغرق وكرامة تُنهب، الضحايا ليسوا أرقاماً في تقرير إغاثي. هم أبٌ يحمل طفله على كتفيه في مياه مختلطة بمياه الصرف الصحي، خائفاً على صحته من أمراض لم يعرفها من قبل.
هي أم تحترق نفسًا على ذكريات بيتها الذي تداعى على رأسها بعد أن نخرته المياه، هو رجل يفقد رزقه في دكّانه التي جرفها السيل.
إنها الكرامة والإنسانية التي تُغتال كلما اضطُر إنسان إلى أن يسبح في قذارة ليصل إلى بيته.
لقد كشفت الأمطار أن "الأزمة الإنسانية" في عدن ليست فقط في غلاء المعيشة وانقطاع الكهرباء، بل هي أزمة وجودية تمس حق الإنسان في العيش بسلام وأمان في مدينته.
ويبقى السؤال الذي يصرخ به كل غريق في عدن: من المسؤول؟ هل هي "الهيئة العامة للأمطار" الساخرة التي لا وجود لها إلا في مخيلة المهرجين؟ أم هي المجالس المحلية المتعاقبة التي كان همها الأكبر هو توزيع المناصب والامتيازات؟ أم هي الحكومة المركزية التي تعاملت مع عدن كثكنة عسكرية أو كمرفأ تجاري، ناسية أنها مدينة بملايين الأنفس تستحق أن تعيش؟.
فالمسؤولية جماعية، لكنها تبدأ من تلك الغرف المكيفة حيث تُخذل القرارات، وتُسرق الميزانيات، ويُوقع على مشاريع "أشباح" لا توجد إلا في الأوراق لاستيفاء شروط منح الدعم.
عدن لا تحتاج إلى بعثات تقصي حقائق جديدة، فحقائقها مكشوفة للعيان. هي تحتاج إلى:
1 . محاسبة حقيقية: محاكمة كل من تسبب بالإهمال أو الفساد في تدمير البنية التحتية للمدينة، واسترداد الأموال المنهوبة من مشاريع الصرف الصحي والطرقات.
2 . خطة إنقاذ شاملة: ليست مسكنات، بل خطة طوارئ وطنية ذات أولوية قصوى، بتمويل واضح وإشراف محلي ودولي مباشر، لإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي الرئيسية وتنظيف المجاري والأودية بشكل عاجل.
3 . إيقاف التجاوزات: وقف فوري لأي بناء عشوائي في مجاري السيول، وإزالة كل ما يعترض مسارات المياه الطبيعية بقوة القانون.
4 . التخطيط الحضري المستدام: اعتماد معايير هندسية صارمة لمشاريع البنية التحتية المستقبلية، وخلق مساحات خضراء كمناطق امتصاص طبيعية، وبناء سدود صغيرة لتجميع المياه وإدارتها.
عدن تغرق، ولكن ليس تحت الأمطار.. إنها تغرق في بحر من الوعود الكاذبة، والفساد المستشري، واللامسؤولية المُمأسسة. إنقاذها ليس عملًا هندسيًّا فحسب، بل هو معركة وجودية لإثبات أن هذه المدينة وأهلها يستحقون الحياة بكرامة، وأنهم لن يغفروا لأحد أن يسلبهم حتى حق البكاء تحت المطر دون أن تغمر مياه القهر بيوتهم.
عدن، اللؤلؤة التي خطفوا بريقها، لم تعد "بين السامع والدامع" كما في قصيدة الشاعر، بل صارت تحت رحمة كل سامعة وكل دامعة. لقد حولتها الأمطار إلى بحيرات آسنة، وإلى شوارع ممزقة تكشف عن "بنية تحتية" أشبه بجثة متعفنة، تنبشها أدنى هزة طبيعية لتبين فشل ذريع لم يشهد له تاريخ المدينة مثيلًا.
لا تلاموا الغيث، فالمطر نعمة، ولكن نقمة الإدارة هي التي تحول النعم إلى كوارث، فالسيول التي اجتاحت أحياء عدن ليست إلا محصلة طبيعية لسنوات من:
- شبكات صرف صحي وهمية: مشاريع بملايين الدولارات ذهبت أدراج الرياح، أو نفذت بعقول "مغسولة" لا تفرق بين تصميم صرف صحي وبئر غرق. كل مشروع كان حلماً يباع للجمهور، وينتهي به المطاف تحت أول مطر ليكشف أنه كان سرابًا.
- تجاوزات وقتالة بيئية: القضاء على المساحات الخضراء والمسطحات المائية التي كانت تمتص الفائض، وردم البحيرات، والبناء العشوائي في مجاري الأودية، كلها جرائم ارتكبت في وضح النهار تحت سمع السلطات وبصرها، بل وبموافقاتها!
- ثقافة "الترميم المؤقت": عقلية إسعافية لا ترى أبعد من نهاية موسم الأمطار. تطمر الحفر بالتراب، وتُهدر الأموال على عمليات تنظيف مسرحية، وكأن المدينة بحاجة إلى "غسيل وجه" وليس إلى "عملية قلب مفتوح" لشرايينها المتصلبة، فالضحايا في آخر المطاف إنسان يغرق وكرامة تُنهب، الضحايا ليسوا أرقاماً في تقرير إغاثي. هم أبٌ يحمل طفله على كتفيه في مياه مختلطة بمياه الصرف الصحي، خائفاً على صحته من أمراض لم يعرفها من قبل.
هي أم تحترق نفسًا على ذكريات بيتها الذي تداعى على رأسها بعد أن نخرته المياه، هو رجل يفقد رزقه في دكّانه التي جرفها السيل.
إنها الكرامة والإنسانية التي تُغتال كلما اضطُر إنسان إلى أن يسبح في قذارة ليصل إلى بيته.
لقد كشفت الأمطار أن "الأزمة الإنسانية" في عدن ليست فقط في غلاء المعيشة وانقطاع الكهرباء، بل هي أزمة وجودية تمس حق الإنسان في العيش بسلام وأمان في مدينته.
ويبقى السؤال الذي يصرخ به كل غريق في عدن: من المسؤول؟ هل هي "الهيئة العامة للأمطار" الساخرة التي لا وجود لها إلا في مخيلة المهرجين؟ أم هي المجالس المحلية المتعاقبة التي كان همها الأكبر هو توزيع المناصب والامتيازات؟ أم هي الحكومة المركزية التي تعاملت مع عدن كثكنة عسكرية أو كمرفأ تجاري، ناسية أنها مدينة بملايين الأنفس تستحق أن تعيش؟.
فالمسؤولية جماعية، لكنها تبدأ من تلك الغرف المكيفة حيث تُخذل القرارات، وتُسرق الميزانيات، ويُوقع على مشاريع "أشباح" لا توجد إلا في الأوراق لاستيفاء شروط منح الدعم.
عدن لا تحتاج إلى بعثات تقصي حقائق جديدة، فحقائقها مكشوفة للعيان. هي تحتاج إلى:
1 . محاسبة حقيقية: محاكمة كل من تسبب بالإهمال أو الفساد في تدمير البنية التحتية للمدينة، واسترداد الأموال المنهوبة من مشاريع الصرف الصحي والطرقات.
2 . خطة إنقاذ شاملة: ليست مسكنات، بل خطة طوارئ وطنية ذات أولوية قصوى، بتمويل واضح وإشراف محلي ودولي مباشر، لإعادة تأهيل شبكة الصرف الصحي الرئيسية وتنظيف المجاري والأودية بشكل عاجل.
3 . إيقاف التجاوزات: وقف فوري لأي بناء عشوائي في مجاري السيول، وإزالة كل ما يعترض مسارات المياه الطبيعية بقوة القانون.
4 . التخطيط الحضري المستدام: اعتماد معايير هندسية صارمة لمشاريع البنية التحتية المستقبلية، وخلق مساحات خضراء كمناطق امتصاص طبيعية، وبناء سدود صغيرة لتجميع المياه وإدارتها.
عدن تغرق، ولكن ليس تحت الأمطار.. إنها تغرق في بحر من الوعود الكاذبة، والفساد المستشري، واللامسؤولية المُمأسسة. إنقاذها ليس عملًا هندسيًّا فحسب، بل هو معركة وجودية لإثبات أن هذه المدينة وأهلها يستحقون الحياة بكرامة، وأنهم لن يغفروا لأحد أن يسلبهم حتى حق البكاء تحت المطر دون أن تغمر مياه القهر بيوتهم.















