ليست المشكلة أن يثق المسؤول بمستشاريه أو المقربين منه، فالثقة جزء من أي منظومة عمل، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الثقة إلى بديل عن التحقق، فيصبح المسؤول أسيرًا لرواية واحدة تُنقل إليه وكأنها الحقيقة المطلقة التي لا جدال فيها.

هنا تتعطل العدالة وتضيع الحقيقة ويُفتح الباب على مصراعيه للظلم والتضليل.

لقد رأينا في مؤسسات حكومية وخاصة أن قرارات مؤثرة اتُخذت اعتمادًا على تقارير فردية أو روايات منقوصة لتظهر لاحقًا صورة مغايرة تمامًا.

كم من موظف شريف أُلصقت به تهم التقصير بسبب وشاية منافس أو خصم وكم من مشروع توقف لأنه وُصف بالفشل من طرف واحد بينما كانت الحقيقة أن العقبات جاءت من سوء الإدارة أو نقص الموارد، وفي النهاية من دفع الثمن؟، الأبرياء والنتائج ومصداقية المسؤول نفسه.

هذا النمط لا يقتصر على الإدارات الصغيرة فقط بل يمتد إلى حكومات ووزارات اتخذت قرارات مصيرية استنادًا إلى تقارير مضللة فأحدثت أزمات اجتماعية واقتصادية كان يمكن تفاديها لو تم الإصغاء لكل الأطراف، والتاريخ مليء بشواهد قادة فقدوا ثقة شعوبهم لأنهم لم يعرفوا كيف يميزون بين الحقيقة والافتراء، وبين النصيحة المخلصة والمعلومة المسيسة.

المسؤول الذي لا يسمع إلا صوتًا واحدًا مهما بدا صادقًا يعرض نفسه ومؤسسته للانهيار، بينما القائد الحقيقي هو من يجعل التحقيق والشفافية خط دفاع أول، فلا يكتفي بما يُقال بل يسعى إلى ما يمكن إثباته، فالثقة وحدها لا تكفي بل قد تكون أحيانًا أخطر وسيلة لتزييف الوعي وصناعة قرارات مشوّهة.



الرسالة إذن واضحة:

من أراد أن يقود بحق، فعليه أن يجعل العدل ميزانه وأن يُدرك أن الكلمة الواحدة لا تكفي لبناء قرار، والتاريخ لا يرحم والناس لا تنسى، وأخطر ما قد يخسره المسؤول ليس منصبه فقط بل ثقة من يقودهم.