> «الأيام» غرفة الأخبار:
- العليمي يمنح الحوثيين فرصة أخيرة.. تصعيد كلامي أم إنذار بالحرب؟
هذا التصعيد في لهجة العليمي لا يبدو معزولاً عن السياق اليمني الأوسع، إذ يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية والسياسية على الحوثيين، فيما تحاول الحكومة اليمنية إعادة تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على إدارة الدولة واستعادة مؤسساتها، وليس مجرد طرف آخر في حرب طويلة.
وتحوّل اسم العليمي في النقاش العربي على مواقع التواصل إلى مدخل لقراءة سؤال أكبر: هل يقترب اليمن من مرحلة جديدة تتراجع فيها معادلة «اللاحرب واللاسلم» لصالح مواجهة سياسية وعسكرية أكثر وضوحاً؟
الرسالة الأبرز في خطاب العليمي هي أن الخيارات أمام الحوثيين، من وجهة نظر قيادة “الشرعية اليمنية”، لم تعد مفتوحة بلا نهاية. فالعليمي قال إن تجربة السنوات العشر الماضية أثبتت أن الهدن لم تؤد إلى إنهاء الحرب، وإن الجماعة، بحسب توصيفه، ما تزال مشروع حرب لا سلام.
وفي الوقت نفسه، حافظ الخطاب على نافذة سياسية، إذ لم يقدم إلقاء السلاح باعتباره شرطاً للاستسلام فقط، وإنما ربطه بالانخراط في بناء الدولة.
وهنا تكمن أهمية الرسالة سياسياً؛ فالعليمي يحاول الجمع بين مسارين متوازيين: رفع كلفة استمرار الحرب على الحوثيين، والإبقاء على الباب السياسي مفتوحاً أمامهم إذا اختاروا التخلي عن السلاح.
وهذا الخطاب يختلف عن صورة “الشرعية” التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بالدفاع أكثر مما ارتبطت بفرض المبادرة. ولذلك فإن عودة العليمي إلى صدارة النقاش العربي ترتبط جزئياً بمحاولة إعادة تعريف موقع مجلس القيادة الرئاسي في المعادلة اليمنية.
لعليمي يكرر في تصريحاته الأخيرة أن الدولة اليمنية أصبحت أكثر قدرة وتماسكاً. وهذه العبارة تحمل دلالة سياسية تتجاوز معناها المباشر.
فالشرعية اليمنية تواجه منذ سنوات مشكلة مزدوجة: الحوثيون يسيطرون على صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد، بينما ظلت المناطق الخاضعة للحكومة تعاني تعدد مراكز النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي.
لذلك فإن الحديث عن «دولة أكثر تماسكاً» يمثل محاولة لتقديم صورة مختلفة: دولة تتجه إلى توحيد قرارها، وإعادة تنظيم مؤسساتها، وتحويل التعدد داخل المعسكر المناهض للحوثيين من مصدر ضعف إلى مصدر قوة.
وتزداد أهمية هذه الرسالة مع التطورات الأخيرة في المشهد العسكري، خصوصاً بعد الهجمات الحوثية التي استهدفت مناطق ومنشآت حيوية، والتي دفعت مجلس القيادة إلى التلويح برد أكثر حزماً.
كما أن استهداف ميناء المخا، وما رافقه من أضرار بالبنية التحتية وسقوط قتلى وجرحى، أعاد ملف المنشآت الاقتصادية والممرات البحرية إلى قلب الصراع اليمني. وقد حذر العليمي من «حرب ممنهجة» تستهدف مقدرات اليمن ومنافذه الاقتصادية.
لماذا عاد العليمي إلى الترند؟
التفاعل العربي مع العليمي لا يمكن تفسيره بتصريح واحد فقط. فهناك مجموعة من التطورات جعلت الرجل أكثر حضوراً في المشهد الإعلامي.
أولها، تصاعد الخطاب الرسمي ضد الحوثيين، وخصوصاً استخدام مفردات مثل «إلقاء السلاح» و«مشروع الحرب» و«إسقاط الانقلاب».
وثانيها، محاولة القيادة اليمنية تقديم صورة أكثر تماسكا أمام الداخل والخارج.
وثالثها، دخول الملف الإيراني بصورة أوضح في تفسير التصعيد الحوثي. فقد نشرت «الشرق الأوسط» مقابلة مع وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة، أكدت فيها أن التصعيد في اليمن «إيراني»، وتحدثت عن علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران.
وهذا يعني أن خطاب العليمي لا يأتي منفصلاً عن حملة سياسية أوسع تسعى إلى تثبيت رواية مفادها أن الحرب اليمنية لم تعد مجرد صراع داخلي، وإنما جزء من شبكة إقليمية أوسع.
لكن صعود العليمي في الترند لا يعني بالضرورة أن موقعه أصبح أكثر قوة بلا قيود.
فالرجل يواجه تحدياً جوهرياً: هل تستطيع القيادة السياسية تحويل الخطاب المتشدد إلى قدرة فعلية على تغيير ميزان القوى؟
فالقول إن الدولة أصبحت أكثر تماسكاً يحتاج إلى ترجمة على الأرض، سواء عبر توحيد القوات، أو تحسين الوضع الاقتصادي، أو تعزيز الخدمات، أو تقليص مراكز النفوذ المتنافسة داخل المناطق المحررة.
وتظهر هنا إحدى أكثر القضايا حساسية في المشهد اليمني: العلاقة بين مجلس القيادة الرئاسي والمكونات الجنوبية.
فأي مواجهة واسعة مع الحوثيين تحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، بينما استمرار الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين يمكن أن يمنح الجماعة مساحة للمناورة السياسية والعسكرية.
ومن هذه الزاوية، فإن معركة العليمي ليست مع الحوثيين وحدهم؛ إنها أيضاً مع تفكك مركز القرار داخل الدولة اليمنية.
لا يمكن قراءة موقع العليمي بعيداً عن الدور السعودي في الملف اليمني.
فمجلس القيادة الرئاسي تشكل أساساً بهدف جمع مكونات متعددة في إطار سياسي واحد، فيما لا تزال الرياض لاعباً مركزياً في دعم الحكومة اليمنية والبحث عن تسوية سياسية للصراع.
وقد أكد مجلس التعاون الخليجي مؤخراً دعمه لتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن، فيما شدد العليمي على ضرورة تنفيذ القرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 2216، بما يحفظ وحدة اليمن واستقراره.
وهذا يعطي خطاب العليمي بعداً إقليمياً؛ فهو لا يتحدث فقط باسم مؤسسة سياسية يمنية، بل يحاول تثبيت مرجعية سياسية تستند إلى دعم عربي وخليجي وإلى القرارات الدولية.
ربما يكون السؤال الأهم الذي يعكسه الترند العربي حول العليمي هو: هل نحن أمام مجرد تصعيد في الخطاب، أم بداية مرحلة مختلفة في الحرب اليمنية؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للقول إن الحرب تتجه حتماً إلى حسم عسكري. لكن هناك مؤشرات واضحة على أن حالة الجمود التي طبعت السنوات الماضية تتعرض لاختبار جديد.
فالحوثيون يواصلون نشاطهم العسكري، بينما ترفع الحكومة سقف خطابها، وتتحرك الأطراف الإقليمية لإعادة ترتيب حساباتها تجاه الملف اليمني.
وفي هذا السياق، يبدو العليمي راغباً في تثبيت معادلة جديدة: السلام ما زال ممكناً، لكن السلام من موقع الدولة، وليس من موقع الاعتراف بالأمر الواقع الذي فرضه السلاح.
وهذه هي النقطة التي تجعل اسم العليمي أكثر حضوراً في النقاش العربي حالياً.
فالرجل لا يطرح نفسه فقط كرئيس لمجلس قيادة رئاسي متعدد الأطراف، وإنما يحاول أن يقدم نفسه بوصفه عنواناً لمشروع استعادة الدولة اليمنية.
لكن نجاح هذا المشروع لن يحسمه الترند ولا التصريحات، وإنما قدرة العليمي وحلفائه على الإجابة عن ثلاثة أسئلة صعبة: هل يمكن توحيد المعسكر المناهض للحوثيين؟ هل تستطيع الحكومة تحسين قدرتها الاقتصادية والخدمية؟ وهل يمكن تحويل الدعم الإقليمي والدولي إلى نفوذ سياسي وعسكري مستدام؟












