لم تعد حوادث الحافلات التي تنقل اليمنيين من السعودية إلى الداخل اليمني مجرّد "حوادث مرورية" كما يحلو للبعض أن يصفها، بل صارت جرائم إهمال ممنهج يشارك فيها الجميع: الشركات، والسلطات، وغياب الضمير.

كل موسم عودة يتحوّل الطريق الدولي إلى مسرح مروّع للموت الجماعي. حافلات متهالكة تسير بآلاف الكيلومترات، بلا صيانة، بلا فحص فني، يقودها سائق مرهق يدفعه صاحب الشركة ليكمل الرحلة كيفما كان، لأن المهم أن تصل "الحمولة" لا أن ينجو الركاب.

يموت الناس بالعشرات، يُحرقون أحياءً في أجساد الحافلات التي تحولت إلى أفران متنقلة، ثم يُغلق الملف كما يُغلق باب الحافلة. لا لجنة، لا تحقيق، لا محاسبة. فقط بيانات تعزية باهتة وصور دامية على وسائل التواصل.

أي عبث هذا؟!

أي استهتار بحياة الناس جعل من الطريق بين شرورة والوديعة مقبرةً مفتوحة؟

كم مرة يجب أن يُقتل الأب والأم والطفل والعامل اليمني حتى يدرك المسؤولون أن ما يحدث ليس قضاءً وقدرًا، بل فسادًا وإهمالًا وسوء إدارة؟

من غير المقبول أن تُترك شركات النقل تعبث بأرواح الناس مقابل حفنة من المال، وأن يكتفي المسؤولون بالتصريحات الموسمية بعد كل كارثة. أين الرقابة؟ أين الفحص الفني؟ أين دور وزارة النقل؟ وأين الضمير الذي غاب مع أول صرخةٍ في أول حادث؟

إنها حافلات الموت الجماعي، وليست وسيلة نقل.

وما لم يُحاسَب الفاسدون والمستهترون، فسنستمر في وداع ضحايانا على الطرقات، وسنظل نكتب ونبكي ونصمت… بينما تستمر الحافلات في قتلنا، برخصةٍ رسمية وصمتٍ حكومي مهين.