بين الأمس والحاضر، تمتد هوة سحيقة في مدينة عدن، التي كانت تُعرف ذات يوم بـ"جنة العالم المشمسة". كانت شمسها الدافئة التي تشرق 18 ساعة يوميًّا تجذب السياح من كل حدب وصوب، وشواطئها الذهبية كانت مسرحًا للسباحة والاستجمام. لم تكن عدن مجرد مدينة عادية، بل كانت واجهة الشرق البراقة وبوابة تجارته وسياحته، حيث كانت تنتشر أنشطة التنس والغولف والفروسية، وتتدفق فيها "أنقى مياه العالم".

لكن هذه الصورة الذهبية لم تدم. فاليوم تحولت الجنة إلى كابوس يعيشه أبناء عدن يوميًّا.

المدينة التي كانت تفخر بجمالها وخدماتها أصبحت تعاني من انهيار شامل في كل القطاعات. الكهرباء، ذلك الشريان الحيوي للحياة العصرية، أصبح حلمًا بعيد المنال. والمياه النقية التي كانت مصدر فخرها صارت ذكرى مؤلمة يحكي عنها الكبار.

ويسري الدمار في كل مكان: فالقطاع الصحي يتردى في ظل نقص حاد في الأدوية والمعدات، والتعليم ينهار في مدارس باتت طاولاتها محطمة وجدرانها متآكلة. الثقافة التي ازدهرت في الماضي تكاد تموت، والسياحة انقرضت تمامًا. حتى الإذاعة والتلفاز، وهما صوت المدينة وعينها، لم يسلمَا من الإهمال والتدهور.

عدن اليوم تشبه طيفًا لحضارة غابرة، مدينة تروّج لمعاناة أهلها بدلًا من جمالها وسحرها. من شمس الدفء والاستجمام إلى شمس تحرق جروح الإهمال، ومن مدينة الحياة والرياضة إلى مدينة تعيش على ذكريات الماضي. هذا التحول المأساوي ليس مجرد تغير في الظروف، بل هو شهادة على إهمال طال أعظم مدن اليمن. فمتى تعود عدن إلى سابق عهدها، ومتى تشرق شمس الأمل على شواطئها من جديد؟