في المجتمعات التي تهتز فيها الدولة وتتراجع فيها هيبة النظام والعدالة، لا يبقى أمام الناس إلا أسوأ ما فيهم. هنا تمامًا يولد "الفجور في الخصومة"، ذلك السلوك الذي يحوّل أي خلاف – مهما كان بسيطًا أو قابلًا للحل – إلى معركة مفتوحة لا ضابط لها ولا سقف، معركة لا تبحث عن حق ولا عدل، بل عن سحق الخصم بأقذر ما يمكن.
الفجور في الخصومة ليس مجرد انفعال أو رد فعل غاضب؛ إنه بناءٌ كامل قائم على أربعة أعمدة: التجرد من الأخلاق، اختلاق الأكاذيب، استباحة الأعراض، وتحويل الخلاف إلى ثأر شخصي. وفي بيئات تعيش "زمن اللادولة"، تصبح هذه الأعمدة قواعد لعبة يومية، لا استثناءات.
اليوم، صار البعض إذا اختلف معك في رأي، شتمك في عرضك. وإن ناقشته في موقف، جرّ عليك قبيلة كاملة. وإن اجتهدت في نقده، عدّ ذلك خيانة، وأطلق عليك جيشًا من الشتّامين، ينهشون شرفك كما تنهش الكلاب الجائعة جيفة مرمية على قارعة الطريق. لا حجّة تُناقش، ولا منطق يُسمع، ولا قيمة تُحترم. مجرد انفلات أخلاقي يحول الخصومة إلى حفرة سوداء يرمى فيها كل ما يملكه الإنسان من قيم.
والأنكى من ذلك أن هذا الفجور يُمارس ببرود، وكأنه حق مكتسب. يريدك البعض أن تسكت، أن تبتلع الإهانة وتمضي، لأن "زمن الفوضى" جعل من السفيه صاحب سلطة، ومن الظلم "وجهة نظر"، ومن الكذب "رأيًا محترمًا".
إن أخطر ما يخلّفه الفجور في الخصومة ليس الأذى الآني، بل تطبيع الانحطاط، حين يصبح الطعن في الشرف سلاحًا عاديًا، والافتراء وسيلة، واغتيال السمعة أمرًا مباحًا، فإن المجتمع ينهار من الداخل، مهما بدا صامدًا من الخارج.
والمؤسف أن الكثيرين يهربون من النقاش الموضوعي إلى الكذب، ومن الاعتذار إلى العناد، ومن الاعتراف بالخطأ إلى تحويل القضية إلى معركة شخصية. فيتعلقون بأوهام الكرامة بينما يدوسون كرامة الآخرين.
لسنا بحاجة إلى محاكم كبرى ولا شعارات رنانة لمعالجة هذه الظاهرة، ما نحتاجه هو إحياء الضمير، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الخلاف لا يلغي الاحترام، وأن النقد ليس إعلان حرب، وأن الخصومة لا تبرر اغتيال القيم.
الفجور في الخصومة ليس علامة قوة، بل علامة سقوط.
وما لم نفهم أن كرامتنا لا ترتفع بإهانة الآخرين، وأن رأينا لا يزداد قوة بتشويه الخصم، سيظل المجتمع يتدحرج من هاوية إلى أخرى.
الخلاف سنة، أما الفجور، فاختيارٌ يتقنه ضعفاء النفوس.
الفجور في الخصومة ليس مجرد انفعال أو رد فعل غاضب؛ إنه بناءٌ كامل قائم على أربعة أعمدة: التجرد من الأخلاق، اختلاق الأكاذيب، استباحة الأعراض، وتحويل الخلاف إلى ثأر شخصي. وفي بيئات تعيش "زمن اللادولة"، تصبح هذه الأعمدة قواعد لعبة يومية، لا استثناءات.
اليوم، صار البعض إذا اختلف معك في رأي، شتمك في عرضك. وإن ناقشته في موقف، جرّ عليك قبيلة كاملة. وإن اجتهدت في نقده، عدّ ذلك خيانة، وأطلق عليك جيشًا من الشتّامين، ينهشون شرفك كما تنهش الكلاب الجائعة جيفة مرمية على قارعة الطريق. لا حجّة تُناقش، ولا منطق يُسمع، ولا قيمة تُحترم. مجرد انفلات أخلاقي يحول الخصومة إلى حفرة سوداء يرمى فيها كل ما يملكه الإنسان من قيم.
والأنكى من ذلك أن هذا الفجور يُمارس ببرود، وكأنه حق مكتسب. يريدك البعض أن تسكت، أن تبتلع الإهانة وتمضي، لأن "زمن الفوضى" جعل من السفيه صاحب سلطة، ومن الظلم "وجهة نظر"، ومن الكذب "رأيًا محترمًا".
إن أخطر ما يخلّفه الفجور في الخصومة ليس الأذى الآني، بل تطبيع الانحطاط، حين يصبح الطعن في الشرف سلاحًا عاديًا، والافتراء وسيلة، واغتيال السمعة أمرًا مباحًا، فإن المجتمع ينهار من الداخل، مهما بدا صامدًا من الخارج.
والمؤسف أن الكثيرين يهربون من النقاش الموضوعي إلى الكذب، ومن الاعتذار إلى العناد، ومن الاعتراف بالخطأ إلى تحويل القضية إلى معركة شخصية. فيتعلقون بأوهام الكرامة بينما يدوسون كرامة الآخرين.
لسنا بحاجة إلى محاكم كبرى ولا شعارات رنانة لمعالجة هذه الظاهرة، ما نحتاجه هو إحياء الضمير، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الخلاف لا يلغي الاحترام، وأن النقد ليس إعلان حرب، وأن الخصومة لا تبرر اغتيال القيم.
الفجور في الخصومة ليس علامة قوة، بل علامة سقوط.
وما لم نفهم أن كرامتنا لا ترتفع بإهانة الآخرين، وأن رأينا لا يزداد قوة بتشويه الخصم، سيظل المجتمع يتدحرج من هاوية إلى أخرى.
الخلاف سنة، أما الفجور، فاختيارٌ يتقنه ضعفاء النفوس.



















