ما يجري اليوم في حضرموت لم يعد مجرد تباينات سياسية أو تنافس بين قوى محلية؛ بل تحوّل إلى تدخّل مباشر من خارج المحافظة، عبر إرسال السلاح والمعدات والقوات، في محاولة لفرض واقع جديد على أرض ليست ملكًا لأحد سوى لأهلها.

حضرموت — بتاريخها، وهويتها، وعمقها الاجتماعي — ليست منطقة قاصرة تبحث عمّن يقودها، وليست ساحة فارغة تنتظر وصيًا يقرر عنها ما تريد وما لا تريد.

والمؤسف أن بعض القوى التي فشلت في إدارة مناطقها، ولم تستطع تقديم نموذج حكم ناجح، جاءت اليوم لتفرض نفسها على حضرموت بالقوة الخشنة بدل قوة المنطق.

القوى التي تدّعي نصرة الجنوب وتتكلم باسم "القضية" هي نفسها التي تفاوضت مع طارق عفاش، وتحالفت مع خصوم الأمس، بينما ترفض الجلوس مع حلف قبائل حضرموت، وتتعامل مع أبناء المحافظة باعتبارهم تابعين لا شركاء.

هذه ليست سياسة… هذا مشروع وصاية.

وفي هذا السياق، من المهم أن يدرك الجميع أن حضرموت بحدّ ذاتها دولة كاملة المقومات؛ بتاريخها، واقتصادها، وثرواتها، وموانئها، وموقعها الاستراتيجي. حضرموت لا تحتاج وصاية أحد، ولا تنتظر مباركة أي قوة لتقرر مصيرها أو تحدد اتجاهها.

وفي المقابل، فإن الجنوب بلا حضرموت لا يساوي شيئًا؛ فحضرموت هي ثقله الاقتصادي، وعمقه الجغرافي، ورئته الاستراتيجية، ولهذا تحديدًا يتزاحم عليها الوافدون اليوم بالسلاح والحشود… لأنهم يدركون أن من يمسك حضرموت يمسك المستقبل.

إن تدفّق الأطقم العسكرية، وتحريك الألوية، وتغيير خرائط النفوذ بالقوة، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره محاولة لإلغاء قرار حضرموت وإخضاعها لسلطة من خارجها.

وما يحدث اليوم من تكديس العتاد والحشود هو في جوهره رسالة تقول لحضرموت: «سنقرر عنكم حتى لو لم تريدوا».

لكن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها واضحة كالشمس:

حضرموت ليست قاصرة… وأحدًا لا يملك حق الوصاية عليها.

حضرموت قادرة على إدارة أمنها، ومواردها، ومؤسساتها، وقادرة على صياغة مشروعها السياسي دون عصا خارجية.

وليست عقارًا متنازعًا عليه، ولا غنيمة يمكن تقسيمها بين القوى التي تتقاتل على النفوذ.

إن احترام إرادة حضرموت هو أول اختبار لأي مشروع سياسي يريد أن يكون جزءًا من مستقبل اليمن أو الجنوب.

وأي قوة تحاول فرض نفسها بالقوة ستفشل كما فشلت غيرها، لأن حضرموت لم تخضع في التاريخ إلا لأبنائها.