إن ما تحقق للجنوب من إنجازات ميدانية وبناء مؤسسات خلال السنوات الماضية لم يكن عملًا عابرًا، بل هو ثمرة نضال طويل وتضحيات كبيرة. غير أن الحفاظ على هذه المنجزات اليوم يتطلب جهدًا سياسيًا ودبلوماسيًا واسعًا وقراءة يومية دقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية، سواء تلك الداعمة لقضية الجنوب أو المتحفظة عليها. ويأتي ذلك بالتوازي مع خطاب جنوبي جامع يعزز التقارب ويؤكد أن الجنوب هو وطن لكل أبنائه دون استثناء، وأن الحوار بات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى لترسيخ الشراكة الجنوبية في إدارة شؤون الجنوب.

وفي هذا السياق، فإن الالتفاف حول القيادة الجنوبية، ممثلة برئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، واللواء فرج البحسني، والشيخ عبدالرحمن أبو زرعة المحرّمي، ولا نريد استثناء أحد في صناعة القرار الجنوبي، هذا التفاف يمثل ركنًا أساسيًا في حماية استقرار الجنوب وترسيخ مؤسساته بل وهو مصلحة للجميع في المنطقة والبحر الأحمر بشكل عام لأن الصراعات وتعدد القيادات سبب لفشل كل الحلول.
  • رسائل تطمين للشمال ولدول الجوار الجميع
يظل الجنوب حريصًا على طمأنة دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بأنه عامل استقرار لا تهديد، وأنه ينظر إلى مواقفها بامتنان وتقدير باعتبارها الدولة الأكثر قوة في المنطقة العربية. كما يحرص الجنوب على علاقته التاريخية مع مصر العروبة كما هي مع الامارات العربية المتحدة حليف الجنوب والعلاقة مع بقية دول الخليج العربي الشقيق، ملتزمًا بسياسة عدم الانحياز لأي مواقف قد تهدد استقراره في ضوء الصراع الدولي في المنطقة.

لقد تغيرت الظروف وتبدلت العقول، وأصبح واضحًا أن أخطاء الماضي لن تتكرر، وأن الجنوب لا يمكنه تحقيق أمنه وقضيته المشروعة من دون دعم الأشقاء في الإقليم، فالعلاقات راسخة والمصير مشترك.
  • حق تقرير المصير وحتمية السلام
منذ عام 2007 ظهرت المطالب الشعبية الجنوبية بوضوح، ثم تعززت عمليًا منذ 2015 وحتى اليوم، في مسار يعبر عن الإرادة الشعبية لإدارة الجنوب لشؤونه وصولًا إلى لاستعادة دولته الجنوبية—جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل 90م الجنوب العربي سابقًا قبل 1967م. وهو خطاب ظل الجنوب يصرح به منذ 2007م.

ويبدو جليًا أن مصلحة الجنوب كما هي مصلحة الشمال تكمن في انتقال الجميع نحو الوئام والسلام، وفتح الطريق أمام كل طرف ليقرر مستقبله بعيدًا عن الصراع.
  • تطمينات لكل محافظات الجنوب وتعزيز الشراكة
من المهم التأكيد من القيادات الجنوبية أن حضرموت والمهرة وبقية محافظات الجنوب لن تُقصى من حقها في إدارة شؤونها وثرواتها، وذلك وفق ما نص عليه الميثاق الوطني الجنوبي، الذي يشكل وثيقة تأسيسية نحو بناء الجنوب الجديد. كما أن أي تحديث مستقبلي للميثاق يجب أن يستوعب المتغيرات ويعزز الشراكة بين مختلف مكونات الجنوب، بما يضمن الانتقال السلمي وإدارة الدولة برؤية جامعة.

فالجنوب اليوم بحاجة إلى خطوات سياسية مدروسة، لكنه بحاجة أكبر إلى حكمة سياسية تتجنب القراءات الخاطئة، وتضع في الاعتبار الترابط بين ملفات اليمن والسودان وفلسطين والشرق الأوسط عمومًا، وتأثير القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في تلك الملفات.
  • على هامش الحدث… حضور شبواني في مهرجان محمد بن زايد للتراث
قبل أيام، تشرفتُ بالمشاركة مع عدد من الشخصيات البارزة من محافظة شبوة الأصالة والتاريخ وفي مقدمتهم نائب محافظ شبوة الشيخ عبدربه هشلة، وأعضاء هيئة رئاسة المجلس الانتقالي العميد علي الجبواني والشيخ عبدالعزيز الجفري، إضافة إلى مديري مديريات بيحان وعسيلان وعين وعدد آخر من الشخصيات، في مهرجان الشيخ محمد بن زايد للتراث وسباق الهجن.

وقد لمسنا خلال هذه المشاركة الحضور الجماهيري الكبير والتجسيد العميق للترابط الثقافي بين أبناء هذه المناطق وأشقائهم في الخليج وسائر دول الجزيرة العربية، الأمر الذي يؤكد عمق الجذور ووحدة الهوية.
  • في الختام رسالة أخوية
لقد آن الأوان لوقف الحروب في جنوب الجزيرة العربية واليمن، والتوجه نحو السلام والبناء. فقد أنهكت الصراعات المنطقة منذُ 1994، وحان الوقت لأن تتجه الإرادة الجمعية والحكماء في الجنوب واليمن نحو مستقبل مختلف يسوده الاعتراف بالواقع والتاريخ فلا الجنوب سوف يطير أن أعلن دولته ولا اليمن الشمالي سيلتحق بكوكب أخر فستظل العلاقة بين الدولتين، وندرك أن إعلان دولة الجنوب يحتاج لسلام دائم مع الشمال ولوحدة وطنية جنوبية في الجنوب وسيادة وحياة كريمة وحل يليق بتضحيات الناس وتطلعاتهم للعيش الكريم والاستقرار المستدام.

كاتب وباحث سياسي
* رئيس منبر عدن للحوار والسلام