في السياسة لا مكان للجمود، فالثبات المطلق ليس فضيلة كما قد يُتصوّر، بل قد يتحول إلى عبء يُكبّل القدرة على التكيّف مع المتغيرات، وكذلك العداوة الدائمة ليست خيارًا عقلانيًا في عالم تتبدل فيه المصالح وتُعاد فيه صياغة التحالفات وفقًا لمعطيات القوة والواقع. ومن هذا المنطلق، فإن النظر إلى العلاقات السعودية الجنوبية، خصوصًا بعد حادثة حضرموت، يجب أن ينطلق من فهم عميق لطبيعة السياسة بوصفها فن إدارة الممكن، لا ساحة لتصفية الحسابات أو تثبيت المواقف الانفعالية.
لقد شكّلت حادثة حضرموت بلا شك لحظة توتر واختبار حقيقي للعلاقة بين الجنوب والمملكة العربية السعودية، لكنها في الوقت ذاته لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن السياق الأوسع الذي يحكم هذه العلاقة الممتدة عبر عقود طويلة. فالعلاقة بين الجنوب والسعودية ليست وليدة ظرف طارئ أو تحالف عابر، بل هي علاقة متجذرة في الجغرافيا التي لا يمكن تغييرها، وفي التاريخ الذي تراكمت فيه المصالح والتداخلات، وفي النسيج الاجتماعي الذي تشكّل عبر أجيال متعاقبة من الجنوبيين الذين عاشوا وعملوا واستقروا في المملكة، وأسهموا في بنائها كما أسهمت هي في احتضانهم وتوفير الفرص لهم.
إن الرهان على القطيعة أو التصعيد الدائم مع المملكة هو رهان خاسر من حيث المبدأ، لأنه يتجاهل هذه الحقائق العميقة، ويقفز فوق معطيات الواقع التي تفرض نوعًا من الشراكة الاستراتيجية، حتى وإن شابتها التباينات أو مرت بمحطات توتر. فالسعودية، بوصفها دولة محورية في الإقليم، لا تدير علاقاتها بمنطق العاطفة، بل وفق حسابات دقيقة للمصالح، وهي في هذا الإطار لا تتردد في إعادة تموضعها السياسي متى ما اقتضت الضرورة، كما هو واضح في مسار علاقتها مع إيران، التي انتقلت من حالة صراع حاد إلى مسارات تهدئة وانفتاح نسبي، في خطوة تعكس براغماتية سياسية عالية، ورغبة في إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية.
ومن هنا يمكن قراءة مشاركة وفد سعودي في تأبين علي الخميني ليس كحدث بروتوكولي عابر، بل كمؤشر على توجه أوسع نحو تحريك المياه الراكدة في العلاقات مع طهران، وإعادة فتح قنوات التواصل بعد سنوات من القطيعة. وإذا كانت السعودية، بكل ثقلها السياسي والاستراتيجي، قادرة على إدارة هذا التحول مع خصم إقليمي بحجم إيران، فمن باب أولى أن تكون العلاقة مع الجنوب، بكل ما يجمع الطرفين من روابط، أكثر قابلية للاحتواء والمعالجة والتطوير.
غير أن المسؤولية في هذا السياق لا تقع على عاتق المملكة وحدها، بل تمتد أيضًا إلى النخب الجنوبية، التي يُفترض أن تضطلع بدور أكثر نضجًا ووعيًا في إدارة هذه العلاقة. فبدل الانجرار خلف ردود الفعل الآنية أو الخطابات المتشنجة، يصبح من الضروري تبني خطاب عقلاني يوازن بين حفظ الكرامة الوطنية ومراعاة المصالح الاستراتيجية. إن تلطيف العلاقات لا يعني التنازل أو التفريط، بل يعني إعادة ضبط الإيقاع السياسي بما يضمن استمرار الشراكة وتطويرها على أسس أكثر وضوحًا واستقرارًا.
إن الجنوب، وهو يسعى إلى تثبيت حضوره السياسي وبناء مشروعه الوطني، لا يمكنه أن يتجاهل حقيقة أن المملكة تمثل عمقًا استراتيجيًا لا غنى عنه، سواء من حيث الدعم السياسي أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي. وفي المقابل، فإن السعودية تدرك أن استقرار الجنوب يشكل جزءًا من استقرار محيطها الحيوي، وأن أي اضطراب فيه قد ينعكس سلبًا على أمنها ومصالحها. هذه المعادلة التبادلية تفرض على الطرفين البحث عن مساحات مشتركة، وتغليب منطق الشراكة على منطق التصادم.
من هنا، فإن الدعوة إلى صداقة دائمة وثابتة مع السعودية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها موقفًا عاطفيًا أو انحيازًا غير مشروط، بل كخيار استراتيجي يقوم على قراءة واقعية لموازين القوى ولطبيعة المصالح المتبادلة. فالصداقة في السياسة ليست شعارًا، بل هي بناء تراكمي يحتاج إلى إدارة ذكية، وقدرة على تجاوز الأزمات، واستعداد دائم لإعادة التقييم والتصحيح.
وفي هذا الإطار، يبرز دور النخب الجنوبية بوصفها الجسر الذي يمكن أن يعيد ترميم ما تصدّع، ويؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات تقوم على الوضوح والاحترام المتبادل. فهذه النخب مطالبة بأن تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، وأن تبادر بطرح رؤى عملية لتطوير العلاقة، بعيدًا عن المزايدات أو الحسابات الضيقة. كما أن عليها أن تُدرك أن الخطاب المتزن، القادر على استيعاب التعقيدات، هو وحده القادر على إقناع صانع القرار في الرياض بجدوى الاستثمار في هذه العلاقة وتعميقها.
في النهاية، تبقى السياسة ساحة مفتوحة على الاحتمالات، لا تعرف الثوابت المطلقة ولا العداوات الأبدية. وما بين الواقعية والبراغماتية، تتحدد ملامح العلاقات بين الدول والشعوب. وفي حالة الجنوب والسعودية، فإن كل المعطيات تشير إلى أن خيار التقارب وتلطيف الأجواء ليس فقط ممكنًا، بل ضروريًا، إذا ما أُريد لهذه العلاقة أن تستمر وتزدهر في عالم لا يعترف إلا بمن يُحسن قراءة مصالحه وإدارتها بذكاءك الاحترام للأخ الأكبر والسند الدائم.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي - عدن
لقد شكّلت حادثة حضرموت بلا شك لحظة توتر واختبار حقيقي للعلاقة بين الجنوب والمملكة العربية السعودية، لكنها في الوقت ذاته لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن السياق الأوسع الذي يحكم هذه العلاقة الممتدة عبر عقود طويلة. فالعلاقة بين الجنوب والسعودية ليست وليدة ظرف طارئ أو تحالف عابر، بل هي علاقة متجذرة في الجغرافيا التي لا يمكن تغييرها، وفي التاريخ الذي تراكمت فيه المصالح والتداخلات، وفي النسيج الاجتماعي الذي تشكّل عبر أجيال متعاقبة من الجنوبيين الذين عاشوا وعملوا واستقروا في المملكة، وأسهموا في بنائها كما أسهمت هي في احتضانهم وتوفير الفرص لهم.
إن الرهان على القطيعة أو التصعيد الدائم مع المملكة هو رهان خاسر من حيث المبدأ، لأنه يتجاهل هذه الحقائق العميقة، ويقفز فوق معطيات الواقع التي تفرض نوعًا من الشراكة الاستراتيجية، حتى وإن شابتها التباينات أو مرت بمحطات توتر. فالسعودية، بوصفها دولة محورية في الإقليم، لا تدير علاقاتها بمنطق العاطفة، بل وفق حسابات دقيقة للمصالح، وهي في هذا الإطار لا تتردد في إعادة تموضعها السياسي متى ما اقتضت الضرورة، كما هو واضح في مسار علاقتها مع إيران، التي انتقلت من حالة صراع حاد إلى مسارات تهدئة وانفتاح نسبي، في خطوة تعكس براغماتية سياسية عالية، ورغبة في إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية.
ومن هنا يمكن قراءة مشاركة وفد سعودي في تأبين علي الخميني ليس كحدث بروتوكولي عابر، بل كمؤشر على توجه أوسع نحو تحريك المياه الراكدة في العلاقات مع طهران، وإعادة فتح قنوات التواصل بعد سنوات من القطيعة. وإذا كانت السعودية، بكل ثقلها السياسي والاستراتيجي، قادرة على إدارة هذا التحول مع خصم إقليمي بحجم إيران، فمن باب أولى أن تكون العلاقة مع الجنوب، بكل ما يجمع الطرفين من روابط، أكثر قابلية للاحتواء والمعالجة والتطوير.
غير أن المسؤولية في هذا السياق لا تقع على عاتق المملكة وحدها، بل تمتد أيضًا إلى النخب الجنوبية، التي يُفترض أن تضطلع بدور أكثر نضجًا ووعيًا في إدارة هذه العلاقة. فبدل الانجرار خلف ردود الفعل الآنية أو الخطابات المتشنجة، يصبح من الضروري تبني خطاب عقلاني يوازن بين حفظ الكرامة الوطنية ومراعاة المصالح الاستراتيجية. إن تلطيف العلاقات لا يعني التنازل أو التفريط، بل يعني إعادة ضبط الإيقاع السياسي بما يضمن استمرار الشراكة وتطويرها على أسس أكثر وضوحًا واستقرارًا.
إن الجنوب، وهو يسعى إلى تثبيت حضوره السياسي وبناء مشروعه الوطني، لا يمكنه أن يتجاهل حقيقة أن المملكة تمثل عمقًا استراتيجيًا لا غنى عنه، سواء من حيث الدعم السياسي أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي. وفي المقابل، فإن السعودية تدرك أن استقرار الجنوب يشكل جزءًا من استقرار محيطها الحيوي، وأن أي اضطراب فيه قد ينعكس سلبًا على أمنها ومصالحها. هذه المعادلة التبادلية تفرض على الطرفين البحث عن مساحات مشتركة، وتغليب منطق الشراكة على منطق التصادم.
من هنا، فإن الدعوة إلى صداقة دائمة وثابتة مع السعودية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها موقفًا عاطفيًا أو انحيازًا غير مشروط، بل كخيار استراتيجي يقوم على قراءة واقعية لموازين القوى ولطبيعة المصالح المتبادلة. فالصداقة في السياسة ليست شعارًا، بل هي بناء تراكمي يحتاج إلى إدارة ذكية، وقدرة على تجاوز الأزمات، واستعداد دائم لإعادة التقييم والتصحيح.
وفي هذا الإطار، يبرز دور النخب الجنوبية بوصفها الجسر الذي يمكن أن يعيد ترميم ما تصدّع، ويؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات تقوم على الوضوح والاحترام المتبادل. فهذه النخب مطالبة بأن تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، وأن تبادر بطرح رؤى عملية لتطوير العلاقة، بعيدًا عن المزايدات أو الحسابات الضيقة. كما أن عليها أن تُدرك أن الخطاب المتزن، القادر على استيعاب التعقيدات، هو وحده القادر على إقناع صانع القرار في الرياض بجدوى الاستثمار في هذه العلاقة وتعميقها.
في النهاية، تبقى السياسة ساحة مفتوحة على الاحتمالات، لا تعرف الثوابت المطلقة ولا العداوات الأبدية. وما بين الواقعية والبراغماتية، تتحدد ملامح العلاقات بين الدول والشعوب. وفي حالة الجنوب والسعودية، فإن كل المعطيات تشير إلى أن خيار التقارب وتلطيف الأجواء ليس فقط ممكنًا، بل ضروريًا، إذا ما أُريد لهذه العلاقة أن تستمر وتزدهر في عالم لا يعترف إلا بمن يُحسن قراءة مصالحه وإدارتها بذكاءك الاحترام للأخ الأكبر والسند الدائم.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي - عدن




















