​يمر الجنوب العربي اليوم بمرحلة مفصلية تُعيد صياغة موقعه في المعادلة الجيوسياسية الإقليمية والدولية، ليس فقط بوصفه رقماً صعباً في معادلة الداخل اليمني، بل ككيان له جذوره وشرعيته وتاريخه، وشعب يملك مشروعًا وطنيًا واضحًا لم يُسقطه الزمن ولا الحرب، بل زاده قوةً وتماسكًا.

تَحوّلت السيطرة الكاملة للقوات المسلحة الجنوبية على كامل التراب الجنوبي، من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، من لحظة عسكرية إلى لحظة سياسية ودبلوماسية بامتياز. وقد شكّلت هذه الخطوة تأكيدًا ماديًا لحقائق طالما تم تجاهلها أو الالتفاف عليها، لكن لم تعد هناك قدرة على إنكارها اليوم، خاصة بعد استعادة وادي وصحراء حضرموت ومحافظة المهرة وطرد القوات الشمالية منها.

لقد دخل الجنوب فعليًا مرحلة "إعادة التمركز السياسي"، إذ أصبح قصر معاشيق في عدن مركز القرار، حيث تُعقد اللقاءات الدولية مع الوفود السعودية والإماراتية، وتدار الحوارات بشأن المرحلة المقبلة. لم يعد الجنوب تابعًا في المشهد، بل لاعب رئيسي تُحسب له خطواته، ويُسعى للتفاوض معه كطرف شرعي يمتلك القرار على الأرض.

في الوقت ذاته، تقرأ العواصم الإقليمية والدولية بتمعّن طبيعة الحراك الشعبي الجنوبي الذي التف حول قيادته السياسية والعسكرية، عبر مظاهرات واعتصامات مستمرة، أكدت على التفويض الكامل للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، وعلى الاستعداد للدخول في المرحلة السياسية بثبات.

تتحرك القوى الكبرى، كلٌّ بطريقته، نحو الجنوب: روسيا تتحدث بلغة تفاهمات مفتوحة، الصين تدعو لحوار دون شروط مسبقة، فرنسا تقترب عبر اتفاقات اقتصادية ومينائية، والولايات المتحدة تؤكد على دعم أي طرف يحارب الإرهاب ويمنع تدفق السلاح للحوثيين. بريطانيا تعمل بهدوء على دعم خفر السواحل وتأمين الملاحة. كل هذه المؤشرات تؤكد أن الجنوب بات ضمن الرؤية الاستراتيجية الدولية، لا باعتباره مجرد طرف داخلي، بل كعمق استراتيجي حقيقي لحلفاء الإقليم والاستقرار العالمي.

في المقابل، سقط مشروع السلطة اليمنية المتهالكة، وانكشفت هشاشة وجودها بعد مغادرة رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي ورئيس الحكومة بن بريك إلى الرياض، وسط فشل ذريع في تأمين اعتراف دولي أو إدانة للانتقالي. بل أن الصمت الدولي حيال ما جرى، هو في حد ذاته قبول بالأمر الواقع الجديد الذي فرضه الجنوب بقوة شعبه وليس بصفقات سياسية.
المستقبل القريب للجنوب يتطلب إدارة ذكية لهذه اللحظة. الحفاظ على الأرض، وتثبيت مؤسسات الدولة، واستكمال ملفات الخدمات والرواتب، والانفتاح المسؤول على كل الوساطات التي تراعي الإرادة الشعبية ولا تنتقص من الحقوق الوطنية. أما على المدى البعيد، فإن بناء الدولة الجنوبية الحديثة، لا يقوم فقط على التحرير، بل على القدرة في تقديم نموذج ناجح في الإدارة، قادر على إقناع الداخل وتعزيز ثقة الخارج.

خلاصة المشهد: الجنوب اليوم لم يعد قضية، بل كيان فعلي يملك الأرض، والإرادة، والشعب، والقيادة. وهو في موقع الشريك لا التابع، ومتى ما قررت الأطراف الدولية والإقليمية فتح ملفات الحل، فإن الجنوب سيكون على رأس الطاولة، لا على الهامش.

الجنوب الآن يُكتب من جديد، لا كصفحة في كتاب اليمن، بل كعنوان مستقل في كتاب الجغرافيا السياسية القادمة.