الجنوب العربي لم يعد مجرد شعار في مسيرات أو ملفًا مؤجلًا على طاولة مفاوضات. إنه اليوم واقع سياسي وعسكري وشعبي، يفرض حضوره بالقوة، بالوعي، وبالقيادة التي تجيد إدارة التحولات الكبرى. بعد الحسم العسكري في وادي حضرموت والصحراء والمهرة، لم يعد هناك ما يُنتظر سوى الترجمة السياسية لهذا النصر. الجنوب اليوم أقرب من أي وقت مضى لإعلان دولته المستقلة، والمشهد واضح: رئيس في قصر معاشيق، علم يرفرف على مؤسسات الدولة، وجيش على الأرض يفرض السيادة، وشعب في الميادين لا يطالب، بل يفرض إرادته.

الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي يدير هذه المرحلة بعقلية دولة، لا حركة. لقاءات يومية، تشاورات مستمرة، وإدارة مباشرة للملفات السياسية والخدمية والعسكرية. قصر معاشيق لم يعد رمزية، بل مركز قرار. لم تعد السفارات والبعثات الدولية تتجه نحو الخارج، بل إلى عدن. الجنوب اليوم يحاور، ويفاوض، ويفرض نفسه بندًا ثابتًا في كل معادلات الحل القادمة.

في الميدان، ما زال النصر يتعزز. لم يعد الحديث عن تأمين حدود الجنوب، بل عن تنظيف ما تبقى من بؤر الإرهاب والتهريب. القوات المسلحة الجنوبية تستعد لعمليات تطهير واسعة، بدعم شعبي هائل، وغطاء سياسي واضح. ومن يراهن على بقايا القوى المهزومة، فليقرأ التاريخ جيدًا… فكل من واجه الجنوب على أرضه خرج مهزومًا، مدحورًا.

اقتصاديًا، الجنوب يواجه تحديات، لكن قيادة واعية بدأت معالجة الأولويات بجدية: الكهرباء، الماء، الرواتب، والمشتقات النفطية. لا تنتظر القيادة حلولًا من الخارج، بل تبني منظومتها من الداخل. هناك إدراك تام أن الدولة لا تُعلن فقط بالنصر العسكري، بل بالقدرة على إدارة الحياة اليومية للناس، وهو ما يجري العمل عليه بجدية متسارعة.

دبلوماسيًا، الجنوب فرض نفسه. لا أحد اليوم يدين المجلس الانتقالي. لا بيانات دولية تهاجم، بل صمت فيه كثير من الرضى. تحركات إقليمية، اتصالات دولية، ووساطات تنطلق من واقع جديد. الجنوب بات جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي، وليس ورقة مزايدة كما كان يُراد له. القيادة الجنوبية تتصرف بمسؤولية عالية، تقرأ المتغيرات، وتتعامل بنديّة وثقة.

وفي قلب هذا كله، هناك شعب عظيم، يقف خلف قيادته. يخرج يوم بعد يوم، يهتف لدولته، ويصنع الصورة التي تهز العالم. أبناء الجنوب في المهجر، في لندن، في نيويورك، في أوروبا، يقولون بلغات العالم: نحن دولة قادمة، لا مشروعًا مؤجلًا. ما يجري في الشارع الجنوبي اليوم ليس مظاهرات، بل تفويض شعبي صريح لا يمكن تجاهله.

المرحلة المقبلة تتطلب شيئًا واحدًا: الثبات. لا تراجع، ولا تردد، ولا مجاملة مع من يريد إجهاض الحلم. إنها لحظة وطن، لا لحظة أفراد. كل جنوبي اليوم معنيّ بالتصرف كصاحب قضية، وكشريك في صُنع الدولة. وما لم يتحقق بالدم، لن يُمنح بالمفاوضات. العالم لا يعترف إلا بالحق المدعوم بالقوة والسياسة والعقل. وكل ذلك تملكه اليوم عدن.

لقد وصل الجنوب إلى أبواب دولته. موحدًا وواعيًا، ولن تسرق اللحظة لحساب الواهمين. والقيادة تعرف، والشعب جاهز، والميدان يشهد أن الجنوب على عتبة المجد، ولن يعود إلى الخلف.