لم يكن الاجتماع الطارئ لما يسمى (مجلس الدفاع الوطني) في الرياض حدثًا سياديًا استثنائيًا بقدر ما كان نصًا سياسيًا مأزومًا حاول أن يتقمّص لباس الدولة و هو يفتقد أهم شروطها (الأرض والسيادة والتوافق).

فالدولة التي تعقد أخطر اجتماعاتها الأمنية خارج حدودها لا تمارس سيادتها بل تعلن عجزها عنها والدفاع عن الأوطان لا يُدار من العواصم البعيدة ولا تُبنى هيبة الدولة ببيانات تُصاغ في المنفى السياسي مهما كثر الحضور وتعددت الألقاب فمنذ السطر الأول بدا البيان و كأنه لائحة اتهام جاهزة لا محضر اجتماع فالتوصيفات جاءت حاسمة والإدانة مسبقة واللغة أمنية صلبة دون أي إشارة لتحقيق مستقل أو تقارير محايدة أو مسار قانوني و هو ما يجعل الحديث عن (انتهاكات جسيمة) ادعاءً سياسيًا لا حكمًا قانونيًا واستعمالًا للأمن كأداة خصومة لا كوظيفة دولة.

الأخطر من ذلك هو الاستدعاء الانتقائي للمرجعيات فإعلان نقل السلطة واتفاق الرياض لم يُذكرا بوصفهما التزامًا متبادلًا بل كسلاح يُرفع عند تغيّر موازين القوة و من المفارقة أن من عطّل هذه المرجعيات عمليًا هو ذاته من يحتج بها اليوم في مواجهة شركاء فرضهم الواقع السياسي و العسكري أما الدعوة إلى تسليم المعسكرات لقوات (درع الوطن) فهي في جوهرها اعتراف غير مباشر بفشل بناء جيش وطني موحّد ومحاولة لإعادة هندسة المشهد العسكري ببدائل لا تقوم على إجماع وطني بل على توازنات ظرفية و هذا لا يؤسس لدولة بل يؤجّل انفجار الصراع.

الإشادة بقيادات السلطات المحلية في حضرموت والمهرة لم تأتِ في سياق تقييم إداري محايد بل كرسالة سياسية واضحة أن المكافأة لمن يصطف والإدانة لمن يخالف وهو منطق يقوّض استقلال السلطات المحلية ويحوّلها من مؤسسات خدمة عامة إلى أدوات اصطفاف سياسي

في المحصلة هذا الاجتماع لا يملك – قانونًا ولا سياسيًا – أهلية توصيف الأزمة ولا احتكار تعريفها فالجنوب وفي القلب منها حضرموت والمهرة ليست ملفًا أمنيًا ولا تُختزل في تحركات عسكرية أو بيانات طارئة إنها قضية سياسية بنيوية فشل الجميع في معالجتها ويستحيل حلّها بمنطق الاتهام والتخوين.

إن تحويل الخلاف السياسي إلى (تمرد) والشراكة الواقعية إلى (خرق مرجعيات) ليس دفاعًا عن الدولة بل هروبًا من استحقاق الاعتراف بالأزمة كما هي ومن يصرّ على إدارة المشهد بهذه العقلية لا يحمي الشرعية بل يواصل استنزافها الدولة لا تُبنى بالبيانات ولا تُفرض هيبتها من الخارج ولا تُستعاد بتغليب منطق الغلبة على منطق الشراكة.

وما لم يُدرك صُنّاع هذا الاجتماع تلك الحقيقة فسيظل كل اجتماع طارئ… إعلانًا جديدًا عن فشل قديم.