تمرّ القضية الجنوبية اليوم بمنعطف تاريخي بالغ الحساسية، بعد سنوات طويلة من الصراع، والدم، وتعدد المشاريع، واختلاط الشعارات بالمصالح، حتى بات الجنوب مهددًا ليس فقط في قضيته العادلة، بل في نسيجه الاجتماعي ووحدته الداخلية.

إن الدعوة لعقد مؤتمر جنوبي–جنوبي في الرياض تمثل فرصة نادرة، وربما أخيرة، لالتقاط اللحظة قبل الانزلاق الكامل نحو الفوضى الشاملة، وهي ليست ترفًا سياسيًا ولا اصطفافًا مع طرف ضد آخر، بل محاولة جادة لإعادة الاعتبار للعقل، وللغة الحوار، وللمصلحة العليا لأبناء الجنوب كافة، دون إقصاء أو تخوين.

لقد أثبتت التجارب أن فرض الرؤى بالقوة، أو احتكار تمثيل الجنوب من قبل فصيل أو كيان واحد، لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الانقسامات، واستنزاف الطاقات، وفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، التي لا ترى في الجنوب سوى ورقة صراع أو ساحة نفوذ، لا قضية شعب وحق تاريخي.

إن القضية الجنوبية أكبر من أي كيان، وأسمى من أي قيادة، وأبقى من أي مرحلة. هي قضية شعب عانى التهميش، والإقصاء، والحروب، والانهيار المؤسسي، ولا يمكن اختزالها في شعارات عاطفية أو مشاريع غير متوافق عليها وطنيًا وجنوبيًا.

من هنا، تبرز أهمية المؤتمر الجنوبي–الجنوبي كمساحة جامعة، يُفترض أن:

• تجمع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والقبلية والفكرية في الجنوب.

• تفتح نقاشًا صريحًا وشجاعًا حول الأخطاء قبل المطالب.

• تُنتج رؤية سياسية موحدة، واقعية، قابلة للتطبيق، وتحظى بقبول داخلي وإقليمي.

• تُعيد تعريف الأولويات: الأمن، الاستقرار، كرامة الإنسان الجنوبي، وبناء مؤسسات حقيقية.

إن الخروج برؤية موحدة لا يعني تطابق الأفكار، بل الاتفاق على الحد الأدنى المشترك: حق الجنوب في معالجة قضيته عبر الوسائل السلمية، ورفض الاقتتال الداخلي، وتجنيب المدن الجنوبية ويلات الصراعات العبثية، والاحتكام إلى الحوار بدل السلاح.

كما أن نجاح هذا المؤتمر مرهون بصدق النوايا، وبتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، وبالاستعداد للتنازل المتبادل، فالأوطان لا تُبنى بالعناد، ولا تُدار بروح الغلبة، بل بالشراكة والعدالة والاعتراف بالآخر.

إن أبناء الجنوب اليوم أمام مسؤولية تاريخية:

إما أن يكونوا على مستوى اللحظة، فيكتبوا صفحة جديدة من التوافق والعقلانية،

أو يتركوا الفرصة تضيع، ليُفرض عليهم مستقبل لا يشبه تضحياتهم ولا تطلعاتهم.

معًا نحو مؤتمر جنوبي–جنوبي ناجح،

ومعًا نحو رؤية موحدة،

تحفظ الجنوب، وتصون قضيته،

وتفتح باب السلام بدل أبواب الدم.