في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الجنوب تبرز الحاجة الى قراءة أكثر عمق لما يجري بعيد عن الانفعالات وردود الفعل اللحظية فالمشهد لا يمكن اختزاله في قرارات أو كيانات بل هو إعادة صياغة شاملة لمستقبل الجنوب في اطار إقليمي ودولي بالغ الحساسية.

التحركات الأخيرة التي شملت اعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في الجنوب لا تعني بالضرورة تراجع عن تطلعات الجنوبيين بل قد تكون بداية لمرحلة أكثر نضج وقدرة على تحقيق تلك التطلعات ضمن رؤية شاملة تضع الجنوب في موقعه الطبيعي كركيزة للاستقرار والتنمية في المنطقة.

وفي هذا السياق تأتي دعوة المملكة العربية السعودية لعقد حوار جنوبي جنوبي في الرياض كفرصة تاريخية لا تتكرر لتوحيد الصف الجنوبي ورأب الصدع وبناء مظلة سياسية جامعة تمثل كل أبناء الجنوب دون استثناء حوار برعاية إقليمية ودولية يمنح مخرجاته قوة ومصداقية ويؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة والتفاهم الجنوبي الجنوبي على أسس وطنية عادلة.

ان نجاح هذا الحوار لا يتوقف فقط على النوايا الطيبة بل يتطلب شجاعة في مواجهة الذات وجرأة في مراجعة التجارب السابق، ومرونة في تجاوز الحسابات الضيقة. فالتاريخ لا يرحم المتقاعسين ولا يمنح فرص كثيرة ومن هنا فإن مسؤولية القيادات الجنوبية اليوم هي أن ترتقي إلى مستوى اللحظة وأن تدرك أن وحدة الصف ليست ترف سياسي بل ضرورة وجودية وأن التنازل لبعضنا البعض اليوم هو استثمار في مستقبل أبنائنا غداً.

ان ما يرافق هذه المرحلة من تباينات إقليمية وتعدد في وجهات النظر لا ينبغي أن يغري البعض بالانجرار الى اصطفافات حادة أو رهانات عاطفية خصوصاً حين تكون تلك الخلافات خارج نطاق القرار المحلي فالتجارب علمتنا أن العلاقات بين الدول تبنى على المصالح لا على العواطف وأن ما يبدو خلافاً دائماً قد يتحول في لحظة الى تفاهم استراتيجي بينما يبقى من راهن على القطيعة في موقع الحرج.

لقد شهدنا في محطات سابقة كيف أن الانقسام حول خلافات إقليمية كما حدث في الأزمة الخليجية بين السعودية وقطر أوقع الكثيرين في فخ الاصطفاف الأعمى حتى باتت بعض الأصوات تتعامل مع تلك الخلافات وكأنها قدر أبدي.

واليوم نكاد نكرر المشهد ذاته مع التباين السعودي الإماراتي حيث تتجدد الحماسة العاطفية ذاتها وتتكرر التمنيات ذاتها بأن يستمر الخلاف ويتفاقم وكأن في ذلك مكسب أو خلاص.

لكن الحقيقة التي يتجاهلها البعض أن في الرياض وأبوظبي عقول كبيرة ودول تدار بمنطق الدولة لا بردود الفعل. وسيكتشف أولئك كما اكتشفوا سابقاً أن تجاوز الخلافات وتصحيح المسار هو الخيار الطبيعي لأن استمرار التباين لا يخدم إلا قوى وأجندات معادية للطرفين وللمنطقة بأسرها.

التاريخ علمنا درس واضح بأن الخلافات بين الدول قد تقع لكن الرهان على ديمومتها هو قصر نظر والاصطفاف الأعمى خلفها هو خطأ استراتيجي وإن أكبر أوهام الوعي العربي المعاصر هو اعتقاده أن الخلافات بين الأشقاء تدار بعقلية القطيعة بينما الواقع يثبت مرة بعد أخرى أن ما يسمى "نهاية الطريق" ليس إلا منعطف مؤقت.

الوعي ليس أن تختار طرف بل أن تفهم السياق وأن تدرك أن بقاء الجسور ولو مهتزة أرحم من نشوة الهدم.

المملكة العربية السعودية بحكم موقعها ودورها الإقليمي لا يمكن أن تغفل عن أهمية الجنوب ولا عن عدالة قضيته لكنها في الوقت ذاته تدرك أن حماية الجنوب لا تكون بالشعارات بل ببناء مؤسسات حقيقية وخلق بيئة سياسية وأمنية مستقرة تضمن مصالح الجميع وتمنع استغلال الجنوب في صراعات لا تخدم أهله.

وسياسياً لا يستطيع أي حليف للجنوب أن يمنحنا مكسب حقيقي ما لم يكن ذلك عبر بوابة رضا المملكة العربية السعودية ودعمها الصريح فالتجارب علمتنا أن الوعود التي لا تمر من الرياض تبقى مجرد خطابات جميلة بلا وزن ولا ضمانات.

فلماذا نطلب الوعد ممن لا يملك بينما صدر الرياض مفتوح وإرادتها حاضرة وضمانتها قائمة ومعها دعم دولي يدرك جيدا من أين يبدأ الاستقرار وإلى أين يجب أن ينتهي؟

المعادلة اليوم واضحة فمن يريد خير الجنوب فطريقه يمر عبر الشراكة مع المملكة لا عبر المناورات ولا عبر القفز على الحقائق أما من يراهن على بدائل وهمية فهو يراهن على الوقت الضائع.

ففي السياسة لا تحسم الأمور بالعاطفة بل بالميزان وميزان هذه المرحلة يقول إن الأمر محسوم.

وما يجري اليوم من تحركات عسكرية وسياسية متزامنة مع تصاعد التوترات الإقليمية واحتمالات المواجهة الكبرى بين إيران وأمريكا ودخول أطراف إقليمية ودولية على خط الصراع يجعل من الجنوب ساحة استراتيجية لا يمكن تركها للفوضى أو التنازع الداخلي بل يجب تحصينها ضمن رؤية شاملة تضمن أمنها واستقرارها وتمنع استخدامها كورقة في صراعات الآخرين.

الجنوب اليوم أمام فرصة لإعادة ترتيب صفوفه والانطلاق نحو مشروع وطني جامع لا يقصي أحد ولا يستعدي أحد مشروع يضع مصلحة الإنسان الجنوبي فوق كل اعتبار ويؤسس لدولة عادلة قوية متصالحة مع محيطها الإقليمي والدولي لا تشكل تهديد لأحد ولا تسمح لأحد أن يستغلها ضد جيرانها.

ما يجري ليس نهاية مرحلة بل بداية جديدة تتطلب قيادة جديدة بروح جديدة قيادة تؤمن أن الجنوب لا يمكن أن يبنى على الإقصاء ولا على التبعية بل على الشراكة والعدالة والانفتاح على كل أبنائه دون استثناء.

الجنوب الذي تريده المملكة هو جنوب مستقر آمن مزدهر. جنوب لا يكون ساحة صراع بل جسر للتعاون جنوب لا يدار بالعواطف بل بالحكمة والمسؤولية جنوب يليق بتضحيات أهله ويستحق أن يكون نموذج في المنطقة.

الفرصة اليوم متاحة واللحظة تستدعي شجاعة القرار ونضج الرؤية والابتعاد عن الحسابات الضيقة فالمستقبل لا ينتظر المترددين بل يصنعه من يملكون الشجاعة والوعي والإرادة.