في سياق إدارة الصراع، لا يُقاس وزن الأطراف بما يقولونه داخل القاعات، بل بالصفة التي يدخلون بها، وبالغَلَبة التي يحملونها معهم.

وهنا تحديدًا تتجلى واحدة من أخطر لحظات التآكل السياسي في المشهد الجنوبي.

حين لبّى بعض قيادات المجلس الانتقالي دعوة الرياض للمشاركة في الحوار الجنوبي/الجنوبي، لم تكن الإشكالية في مبدأ الحوار، بل في الطريقة التي دخلوا بها، والصفة التي خرجوا منها.

ما حدث فعليًا هو الآتي: لم يُحلّ المجلس الانتقالي بقرار خارجي، بل حُلّ سياسيًا من الداخل، حين قرر بعض قياداته الدخول إلى الحوار وقد علّقوا صفتهم التنظيمية، أو تبرأوا من كيانهم، أو قدّموا أنفسهم بوصفهم “شخصيات جنوبية مستقلة".

وهنا يبدأ تآكل القرار، لا بالضربة القاضية، بل بالانزلاق البطيء.

ما هي صفتهم في المعادلة الجنوبية/الجنوبية؟

في منطق إدارة الصراعات، الصفة ليست تفصيلًا شكليًا، بل جوهر المعادلة.

ومن يتنازل عن صفته، يتنازل تلقائيًا عن غَلَبته.

بوضوح سياسي لا يحتمل الالتفاف: هم لم يعودوا ممثلين رسميين للمجلس الانتقالي، وليسوا قوى مستقلة ذات تفويض شعبي جديد، ولا يشكّلون تيارًا جنوبيًا بديلًا متماسكًا.

وعليه، فهم في هذه اللحظة: أفراد على طاولة "حوار الطرشان" بلا غَلَبة تمثيلية، وبلا ظهر تنظيمي، وبلا تفويض شعبي معلن.

وهذا هو أخطر موقع يمكن أن يوجد فيه فاعل سياسي داخل صراع مفتوح.

كيف تُستخدم هذه الحالة في إدارة الصراع؟

إدارة الصراع لا تحتاج دائمًا إلى إسقاط الخصوم بالقوة، بل يكفي: تفكيك الكيانات، إضعاف الصفات، وتحويل الممثلين إلى أفراد.

ما جرى مع هؤلاء المتحاورين يخدم – من حيث لا يشعرون – منطقًا واحدًا:"الجنوب لا يملك ممثلًا جامعًا، بل شخصيات متفرقة، لكلٍ رأيه، ولا أحد يملك القرار".

وهكذا، تُسحب ورقة التمثيل، ويُفرّغ الحوار من مضمونه السياسي، وتُحمَّل الشخصيات لاحقًا مسؤولية الفشل.

هذه ليست شراكة، بل إدارة ذكية للتآكل.

المراجعة السياسية فعل شجاع حين تكون: معلنة، متكاملة، وموجهة للشارع قبل القاعات.

أما التبرؤ من الكيان داخل قاعة حوار، فهو لا يُقرأ كمراجعة، بل كـ هروب من كلفة الصفة.

السياسة لا تعترف بـ “النية الحسنة"، بل تعترف بمن: يمثل من؟ وبأي وزن؟ ولأي مشروع؟

ومن يتخلى عن صفته دون أن يقدم بديلًا واضحًا، لا يتحول إلى حكيم مستقل، بل إلى أداة تفاوض مؤقتة.

ضياع البوصلة، حين يُخطئ الفاعل قراءة موقعه، وأخطر ما في هذه اللحظة ليس فقدان الغَلَبة، بل الاعتقاد الخاطئ بأن فقدانها حكمة.

حين يظن السياسي أنه يربح مساحة بالمناورة الفردية، بينما هو في الواقع: يخسر صفته، ويُضعف قضيته، ويمنح إدارة الصراع ما تريده دون مقابل.

وهنا تضيع البوصلة: لا هو حافظ على كيان، ولا هو صنع بديلًا، ولا هو امتلك قدرة على فرض مسار.

الخلاصة في سياق إدارة الصراع ما جرى مع بعض المتحاورين الجنوبيين مثال صارخ على: كيف يُدار الصراع دون حسم، وكيف يتآكل القرار من الداخل، وكيف تُفقد البوصلة تحت شعار "المرونة".

في معادلة الجنوب/الجنوب: من يدخل بلا صفة واضحة، وبلا غَلَبة تمثيلية، وبلا ظهر شعبي، لن يكون صانع حل، بل، أداة تمرير، أو شاهد زور سياسي، أو كبش فداء عند أول فشل.

والجنوب، في هذه المرحلة الحساسة، لا يحتاج مزيدًا من الأفراد على الطاولة، بل يحتاج كيانات تعرف من تمثل، وقرارًا لا يُعلَّق، وبوصلة لا تُباع.

هذا هو جوهر القراءة، وهذا هو لبّ المعركة التي تُدار بهدوء، بينما يظن كثيرون أنها مجرد"حوار والسلام" .