بكل هدوء يليق بلحظةٍ كبيرة، وبثبات لا تصنعه الانفعالات العابرة، يمكن القول إن ما جرى لم يكن مجرد مشهد عابر في مدينةٍ بعيدة، بل كان اختبارًا صريحًا للهوية، وللثبات على المبدأ، وللقدرة على التمييز بين الضجيج والموقف.

حين ترفرف الراية الجنوبية خارج جغرافيتها، لا تفعل ذلك بحثًا عن استفزاز أحد، ولا طلبًا لتصفيقٍ مؤقت، بل بوصفها إعلانًا واضحًا أن الهوية التي حاول البعض طمسها ما زالت حاضرة، قادرة على العبور، وعلى فرض احترامها حيثما وُجدت. وحين يُعزف النشيد الوطني الجنوبي، فإن الأمر يتجاوز اللحن والكلمات، ليصل إلى جوهر المعنى: شعب لم يتخلَّ عن قضيته، ولم يساوم على تعريف نفسه، مهما اختلفت الأمكنة وتبدلت الظروف.

في المقابل، بدا المشهد الآخر مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى. أولئك الذين جعلوا من الشماتة مبدأ، ومن التجريح وسيلة، ومن توزيع “صكوك الشرف” تجارةً رخيصة، لم يدركوا أنهم لا يسيئون لغيرهم بقدر ما يكشفون خواءهم الداخلي. الرثاء كل الرثاء لمن ظن أن النيل من رجال الجنوب، أو التشكيك في نواياهم، يمكن أن يصنع له مجدًا أو يمنحه مكانة. فالقضايا العادلة لا تُقاس بحدة الألفاظ، ولا تُخدم عبر السباب، بل تُصان برجال يعرفون متى يتكلمون، ومتى يصمتون، ومتى يضعون الوطن فوق ذواتهم.

ليس من شيم أصحاب القضايا الكبرى أن ينحدروا إلى مستوى التشفي، حتى وإن طالهم الأذى. البقاء على المبدأ، في زمن المزايدات، هو أعلى درجات الرد. وحمل الراية الجنوبية، خفاقة وواضحة، ليس فعل تحدٍّ، بل فعل تعريف: أنا جنوبي، وهذه صفتي التي لا أقبل بغيرها، ولا أستبدلها بأي توصيفٍ ملتبس أو مصلحة عابرة. هوية لا تُمنح، ولا تُسحب، ولا تُفاوض.

من هنا، يصبح الشكر واجبًا، لا مجاملة. الشكر لكل من مثّل الجنوب في الرياض، فردًا فردًا، دون استثناء. لأن الحضور ذاته، في هذا التوقيت وبهذا الوضوح، كان رسالة سياسية وأخلاقية في آن واحد. رسالة تقول إن الجنوب حاضر بأبنائه، لا بالوكالة، وبموقفه، لا بالإنابة. وإن الاختلاف في التفاصيل لا يلغي الإجماع على الجوهر: الدفاع عن قضية الجنوب، وحماية حقه في التعبير عن نفسه.

أما الدعم، فهو ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل التزام طويل النفس. دعمٌ على الأرض، ما دامت الأرواح تنبض، ودفاعٌ عن ترابٍ لم يكن يومًا سلعة، ولا ورقة تفاوض. تراب الجنوب الذي ما زال يسعى للتطهر من أثقال مرحلة ما بعد العام 1990، بكل ما حملته من تشويه، وإقصاء، ومحاولات كسرٍ للهوية والكرامة.

وفي ختام المشهد، يبقى الامتنان الحقيقي لأولئك الذين عرفوا بوصلتهم، وحددوا اتجاهها بعيدًا عن الغرور والاستكبار. الذين فهموا أن العمل من أجل القضية ليس استعراضًا، ولا سباقًا على الألقاب، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب تواضعًا، ووعيًا، واستعدادًا لدفع الثمن دون ضجيج.

هكذا تُحمل القضايا العادلة: بكرامة، وبصبر، وبإيمان لا تهزه حملات التشويه، ولا تفتنه تصفيقات اللحظة. وهكذا يظل الجنوب، رايةً وهويةً وقضية، حاضرًا حيثما وُجد من يؤمن به، ويدافع عنه، دون أن يطلب شهادة حسن سلوك من أحد.