كما يبدو للمتابع أن الجنوب يقف اليوم أمام لحظة فارقة في تاريخه السياسي إذ لم يعد المشهد كما كان قبل أشهر قليلة حين كانت القيادات الجنوبية تتحرك تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي لكن أحداث حضرموت والمهرة الأخيرة وما رافقها من ارتباك في الإدارة دفعت هذه القيادات إلى اتخاذ قرار جريء بحل المجلس الانتقالي وهو القرار الذي أنهى صفة تنظيمية وتمثيلية كانت قائمة وفتح الباب أمام واقع جديد يتطلب صياغة إطار بديل أكثر شمولية ووعيا.

ويبدو أن هذه القيادات التي أطلق عليها مسمى القيادات الجنوبية القادمة من عدن وجدت نفسها في الرياض أمام تحدي إعادة بناء البيت الجنوبي من جديد فغياب الصفة الرسمية لم يمنعها من البحث عن مظلة جامعة بل دفعها إلى ترتيب لقاء تشاوري جنوبي وفر مساحة لتوحيد المواقف والرؤى ومهد الطريق نحو تشكيل جبهة واسعة تتولى مناقشة الملفات الكبرى وفي مقدمتها التحضير لمؤتمر جنوبي شامل وصياغة مسارات سياسية جديدة تعكس تطلعات الشعب.

ومن الواضح أن اللقاء في الرياض لم يكن مجرد اجتماع بل كان تعبيرًا عن إرادة جنوبية تبحث عن الحل العادل والآمن بعيدا عن الصراعات الجانبية التي أرهقت القضية وأطالت أمدها وقد تزامن هذا اللقاء مع رسائل إيجابية من المملكة العربية السعودية التي أكدت عبر لقاءاتها المباشرة مع القيادات الجنوبية أن دعمها يتجاوز الكلمات إلى خطوات عملية ملموسة في الملفات المعيشية والاقتصادية وفي مقدمتها قضية المرتبات المتأخرة ودعم القوات الجنوبية التي تحمي الأرض والإنسان كما أن الشكل الذي ظهر به اللقاء واستهل بالنشيد الوطني الجنوبي كان رسالة اطمئنان بأن المملكة تحتضن هذا المسار وتمنحه الشرعية والجدية.

ويبدو أن ما يجري اليوم يمثل فرصة تاريخية لا يجوز التفريط بها فالمملكة لا تسعى إلى إقصاء أو تهميش أي طرف جنوبي بل تؤكد على الشراكة الواسعة والتمثيل المسؤول وهذا المسار إذا ما أُدير بحكمة يمكن أن يشكل مدخلا لإعادة ترتيب البيت الجنوبي على أسس أكثر قوة وتماسك كما أن الدعم السعودي لا يتوقف عند حدود الأمن بل يمتد إلى الاقتصاد والتنمية باعتبارهما أعمدة أساسية للشراكة المستقبلية وهو ما يمنح الجنوب فرصة حقيقية لبناء مستقبل أكثر رسوخًا واستقرارًا.

ومن المؤكد أن الرسائل التي يوجهها هذا اللقاء متعددة إلى الداخل الجنوبي بأن وحدة الصف هي الضمانة الوحيدة لنجاح المسار السياسي إلى المملكة بأن الثقة المتبادلة ستظل حجر الأساس في بناء المستقبل وإلى المجتمع الدولي بأن دعم خيار الجنوبيين في الحوار هو الطريق الأكثر واقعية لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي والدولي.

وفي المحصلة فإن الجنوب أمام منعطف تاريخي في الرياض حيث تتقاطع الإرادة الشعبية مع الدعم الإقليمي لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة تبنى على الثقة والشراكة والوعي وإذا ما أحسن الجنوبيون استثمار هذه الفرصة فإن استعادة دولتهم عبر المسار السياسي لن تكون حلما بعيدا بل واقعا يقترب خطوة بخطوة ليعيد للقضية بريقها وللمستقبل مساحته الواسعة من الثقة.