لم أكن وحدي في رحلة العمل، كان لي رفيقٌ دائم، لا يفارقني إلا في حالات نادرة: حين يحتاج إلى من يصفّق له، أو يكتب بقلمه الجاهز لطلب ما يراه لا يصلح قبل أن يراه.
رفيقي لا يرى العالم بعينين، بل بعين واحدة: عينه فقط. أما بقية العيون فزائدة عن الحاجة، خلقها الله اختبارًا للصبر على بلاء الصحبة ليس إلا.
هو لا يناقش، بل يُنزِل الأحكام.
كلامه ليس رأيًا، بل نسخة أولى، منقحة ونادرة من الحقيقة، وما عدا ذلك مسودات مشطوبة بقلمه الجاف، حتى لو كانت صحيحة.
الغريب أن رفيقي يملك قدرة عجيبة على تصحيح الصحيح، وتخطئة المنطق، وشطب الاجتهاد، وتحويل أي فكرة لا تشبهه إلى مؤامرة شخصية.
يرى نفسه العلم، ويرى الآخرين حواشي، لكن عقدته الحقيقية ليست في جهله، بل في أولئك الذين درسوا، تعبوا، تجاوزوا الطموح، ووصلوا حيث أراد هو أن يصل دون أن يمشي إلى الأمام خطوة تذكر.
لا يعترف بكفاءة إلا إذا كانت صورته في المرآة. أما البقية، فهم مشاريع فشل مؤجلة، أو موظفون لمهمة واحدة: خدمته، وتغذية غروره، وتوقيع الولاء اليومي.
هو لا يحب العمل، بل يحب أن يُرى وهو يعمل، ولا يريد أن يتعب، لكن يتعبه كثيرًا أن يرى غيره يتعب وينجح.
متعالي؟: نعم.
مستفز، إلى حدٍ يجعل الصمت فضيلة.
يعتقد أن الاحترام يُنتزع بالصوت العالي، وأن الهيبة تُصنع بالاستفزاز.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا: الدائرة تضيق، الوجوه تختفي، الضحكات تختصر، حتى لم يبقَ حوله أحد، إلا صدى صوته.
عندها فقط، اكتشف رفيقي أنه وحيد، ليس لأنه أذكى من الجميع، بل لأنه لم يحتمل وجود أحد. وحين نظرت إليه طويلًا آخر مرة، أدركت الحقيقة المؤلمة: لم يكن رفيقي حمارًا بالمعنى الحرفي، بل بالمعنى الوظيفي، عنيد، يرى الطريق مستقيمًا لأنه لا يعرف الالتفاف، ويصرّ على الوقوف لأنه يظن الحركة ضعفًا.
وهكذا افترقنا، أنا مضيت في أداء عملي، وهو بقي أسيرا مع نفسه، ومع قناعته المطلقة، ومع مرضٍ اسمه: أنا وحدي، إذن أنا الصح.
رفيقي لا يرى العالم بعينين، بل بعين واحدة: عينه فقط. أما بقية العيون فزائدة عن الحاجة، خلقها الله اختبارًا للصبر على بلاء الصحبة ليس إلا.
هو لا يناقش، بل يُنزِل الأحكام.
كلامه ليس رأيًا، بل نسخة أولى، منقحة ونادرة من الحقيقة، وما عدا ذلك مسودات مشطوبة بقلمه الجاف، حتى لو كانت صحيحة.
الغريب أن رفيقي يملك قدرة عجيبة على تصحيح الصحيح، وتخطئة المنطق، وشطب الاجتهاد، وتحويل أي فكرة لا تشبهه إلى مؤامرة شخصية.
يرى نفسه العلم، ويرى الآخرين حواشي، لكن عقدته الحقيقية ليست في جهله، بل في أولئك الذين درسوا، تعبوا، تجاوزوا الطموح، ووصلوا حيث أراد هو أن يصل دون أن يمشي إلى الأمام خطوة تذكر.
لا يعترف بكفاءة إلا إذا كانت صورته في المرآة. أما البقية، فهم مشاريع فشل مؤجلة، أو موظفون لمهمة واحدة: خدمته، وتغذية غروره، وتوقيع الولاء اليومي.
هو لا يحب العمل، بل يحب أن يُرى وهو يعمل، ولا يريد أن يتعب، لكن يتعبه كثيرًا أن يرى غيره يتعب وينجح.
متعالي؟: نعم.
مستفز، إلى حدٍ يجعل الصمت فضيلة.
يعتقد أن الاحترام يُنتزع بالصوت العالي، وأن الهيبة تُصنع بالاستفزاز.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا: الدائرة تضيق، الوجوه تختفي، الضحكات تختصر، حتى لم يبقَ حوله أحد، إلا صدى صوته.
عندها فقط، اكتشف رفيقي أنه وحيد، ليس لأنه أذكى من الجميع، بل لأنه لم يحتمل وجود أحد. وحين نظرت إليه طويلًا آخر مرة، أدركت الحقيقة المؤلمة: لم يكن رفيقي حمارًا بالمعنى الحرفي، بل بالمعنى الوظيفي، عنيد، يرى الطريق مستقيمًا لأنه لا يعرف الالتفاف، ويصرّ على الوقوف لأنه يظن الحركة ضعفًا.
وهكذا افترقنا، أنا مضيت في أداء عملي، وهو بقي أسيرا مع نفسه، ومع قناعته المطلقة، ومع مرضٍ اسمه: أنا وحدي، إذن أنا الصح.



















