لم نفشل فقط في إدارة دولتنا، بل فشلنا في إدارة عقولنا وأحقادنا وانفعالاتنا.

فشلنا في إدارة اختلافنا فحوّلناه إلى اقتتال، وفشلنا في إدارة سياستنا فحوّلناها إلى سوق نخاسة تُباع فيها المواقف لمن يدفع أكثر.

نحن – كنخب سياسية وعسكرية وثقافية – لم نكن بحجم وطن اسمه اليمن، كنا بحجم مصالحنا فقط.

عجزنا عن بناء دولة، وعجزنا حتى عن احترام فكرة الدولة.

فشلنا في حماية سيادتنا، فسلّمنا قرارنا للخارج طوعًا لا كرهًا.

مرة باسم "الدعم".

ومرة باسم "التحالف".

ومرة باسم "الشرعية"، ومرة باسم "القضية".

وفي كل مرة كان اليمن هو الذبيحة.

لم ننجح إلا في شيء واحد:

أن نكون أدوات رخيصة لتنفيذ سياسات الآخرين في بلادنا.

نختلف بالوكالة.

نقاتل بالوكالة.

نفاوض بالوكالة.

نوقّع بالوكالة.

ثم نصرخ بوقاحة: أين الوطن؟ كل جماعة تدّعي أنها الوطن، وكل قائد يزعم أنه المنقذ، بينما الحقيقة المرة أن الجميع – بلا استثناء – شارك في صناعة هذا الخراب:

بالتحريض.

بالصمت.

بالتواطؤ.

أو بالارتهان الصريح للخارج.

نخبنا لم تكن نخب دولة،

بل نخب فشل.

لم تنتج مشروع وطن،

بل أنتجت مشاريع سلطة.

لم تصنع عقدًا اجتماعيًا،

بل مزّقت ما تبقى من المجتمع.

لم تفكر في الأجيال القادمة،

بل في الغنيمة القادمة.

وأنا أسافر بين عواصم العالم، أرى المشهد الأكثر إذلالًا لليمن:

يمني يتظاهر ويتسوّل "إنقاذ اليمن" من الخارج،

ويمني آخر يتظاهر لتمزيق اليمن من الخارج،

وكلاهما يقف أمام سفارات ودول لا ترى في اليمن إلا ملفًا أو ورقة تفاوض.

بدل أن يكون اليمني سفيرًا لوطنه،

صار شاهدًا على عجزه.

وبدل أن تكون قضيتنا وطنية تُحل داخل الوطن،

صارت عرضًا مذلًا في شوارع الغربة.

لم نكتفِ بتسليم قرارنا للخارج،

بل صرنا نرجوه أن يحكم بيننا،

وأن يرسم لنا مستقبلنا،

وأن يحدد لنا شكل دولتنا وحدود كرامتنا.

العار الحقيقي ليس في الهزيمة العسكرية فقط،

بل في الهزيمة الأخلاقية:

أن نبيع خلافاتنا للأجنبي،

وأن نستقوي بالغريب على أهلنا،

وأن نبرر الخراب باسم السياسة،

وأن نقدّم اليمن قرباناً لمعارك الآخرين.

هذا العار لن يمحوه خطاب،

ولا مؤتمر،

ولا صورة تذكارية في عاصمة بعيدة.

هذا العار سيلاحق أسماءنا في كتب التاريخ،

وسيسألنا أولادنا:

لماذا فشلتم في إدارة وطنكم؟

ولماذا نجح الآخرون في إدارتكم؟

الخلاص لا يبدأ من الفنادق،

ولا من العواصم،

ولا من رعاة الأزمات،

بل من الاعتراف الصريح:

نحن أخطأنا،

نحن فشلنا،

ونحن المسؤولون أولًا وأخيرًا.

إما أن نستعيد اليمن دولةً لا ساحة صراع،

وسيدًا لا تابعًا،

وقرارًا لا وكالة،

أو سنبقى جماعات تتقاتل فوق أطلال وطن

ونختلف على من يملك الركام.