لو أن حسم وضع المجلس الانتقالي تمّ عبر قوة جنوبية مقابلة، لكان الجنوب، وعلى الأرجح، قد انزلق إلى مواجهة داخلية مفتوحة، تبدأ باشتباكات محدودة ولا يُعرف أين تنتهي.
فالتجارب السابقة، في عدن وغيرها، تؤكد أن أي صراع جنوبي–جنوبي لا يبقى محصورًا في إطار سياسي أو عسكري، بل يتحول سريعًا إلى اقتتال في الشوارع، يدفع ثمنه المدنيون، وتنهار معه ما تبقى من مؤسسات وأمن وخدمات.
ما جرى فعليًا أن طرفًا إقليميًا فاعلًا، متمثلًا في المملكة العربية السعودية، تولّى إدارة عملية تحجيم نفوذ الانتقالي وقواته، وأمسك بملف إعادة ترتيب المشهدين العسكري والأمني، بالتوازي مع محاولات إعادة ضبط الوضع الإداري والخدمي. وبغضّ النظر عن التقييم السياسي الكامل لهذا الدور، فإن النتيجة الأهم هي تجنيب الجنوب صراعًا داخليًا كان سيعمّق الانقسام، ويعيد إنتاج دوامة العنف والفوضى.
في لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال دائمًا عن الحل المثالي، بل عن الخيار الأقل كلفة على المجتمع. والواقع أن الجنوب، بعد سنوات من الإنهاك، لم يعد يحتمل مغامرات جديدة أو صدامات إضافية. فالمحافظات المحررة شهدت انهيارًا شبه كامل في الخدمات الأساسية، وتراجعًا حادًا في أداء المؤسسات، كان سببه الرئيسي التنازع المستمر على القرار بين الشرعية والمجلس الانتقالي، وما رافق ذلك من ازدواج في السلطة، وتضارب في الصلاحيات، واستنزاف للموارد.
من هذا المنطلق، تبدو الحاجة اليوم ملحّة لحدٍّ أدنى من الاستقرار، حتى وإن جاء في إطار ترتيبات انتقالية أو مؤقتة. فالمواطن البسيط لا يعنيه شكل الاصطفاف السياسي بقدر ما يعنيه أن يشعر بالأمن، وأن تتوفر له الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، وأن يرى سلطة قادرة على إدارة الشأن العام دون فوضى أو ابتزاز أو صراع نفوذ.
أما الدعوات إلى التصعيد أو الاحتجاج ضد الإجراءات المتخذة في هذا التوقيت، فهي، في كثير من الأحيان، لا تنطلق من حرص حقيقي على المصلحة العامة، بل من تضرر مصالح أطراف كانت مستفيدة من حالة الفوضى أو من “فتات” السلطة التي وفرها الإنتقالي خلال سنوات سيطرته. وهذا لا يعني إنكار حق التعبير أو الاعتراض، لكنه يضع تلك التحركات في سياقها السياسي والاجتماعي الحقيقي.
لقد ملّ الناس من الشعارات الكبيرة التي لا تنعكس على حياتهم اليومية، ومن الخطابات التي تَعِد بالدولة بينما تُنتج مزيدًا من الانهيار. ما يحتاجه الجنوب اليوم هو نموذج عملي، ولو متواضعًا، يثبت أن الجنوبيين قادرون على إدارة مؤسساتهم بكفاءة ومسؤولية، بعيدًا عن منطق الغلبة والقوة، وقريبًا من منطق النظام والقانون.
إن اختبار المرحلة الحالية لا يكمن في رفع السقوف السياسية، بل في القدرة على تثبيت الأمن، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وتهيئة بيئة تسمح بحوار سياسي لاحق، أقل توترًا وأكثر عقلانية. فالاستقرار ليس نقيضًا للحقوق أو القضايا العادلة، بل شرطًا أساسيًا لأي مسار سياسي يمكن أن يفضي إلى حلول مستدامة، تحفظ كرامة الناس، وتصون المجتمع من الانزلاق مجددًا إلى صراعات لا رابح فيها.
فالتجارب السابقة، في عدن وغيرها، تؤكد أن أي صراع جنوبي–جنوبي لا يبقى محصورًا في إطار سياسي أو عسكري، بل يتحول سريعًا إلى اقتتال في الشوارع، يدفع ثمنه المدنيون، وتنهار معه ما تبقى من مؤسسات وأمن وخدمات.
ما جرى فعليًا أن طرفًا إقليميًا فاعلًا، متمثلًا في المملكة العربية السعودية، تولّى إدارة عملية تحجيم نفوذ الانتقالي وقواته، وأمسك بملف إعادة ترتيب المشهدين العسكري والأمني، بالتوازي مع محاولات إعادة ضبط الوضع الإداري والخدمي. وبغضّ النظر عن التقييم السياسي الكامل لهذا الدور، فإن النتيجة الأهم هي تجنيب الجنوب صراعًا داخليًا كان سيعمّق الانقسام، ويعيد إنتاج دوامة العنف والفوضى.
في لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال دائمًا عن الحل المثالي، بل عن الخيار الأقل كلفة على المجتمع. والواقع أن الجنوب، بعد سنوات من الإنهاك، لم يعد يحتمل مغامرات جديدة أو صدامات إضافية. فالمحافظات المحررة شهدت انهيارًا شبه كامل في الخدمات الأساسية، وتراجعًا حادًا في أداء المؤسسات، كان سببه الرئيسي التنازع المستمر على القرار بين الشرعية والمجلس الانتقالي، وما رافق ذلك من ازدواج في السلطة، وتضارب في الصلاحيات، واستنزاف للموارد.
من هذا المنطلق، تبدو الحاجة اليوم ملحّة لحدٍّ أدنى من الاستقرار، حتى وإن جاء في إطار ترتيبات انتقالية أو مؤقتة. فالمواطن البسيط لا يعنيه شكل الاصطفاف السياسي بقدر ما يعنيه أن يشعر بالأمن، وأن تتوفر له الكهرباء والمياه والخدمات الصحية، وأن يرى سلطة قادرة على إدارة الشأن العام دون فوضى أو ابتزاز أو صراع نفوذ.
أما الدعوات إلى التصعيد أو الاحتجاج ضد الإجراءات المتخذة في هذا التوقيت، فهي، في كثير من الأحيان، لا تنطلق من حرص حقيقي على المصلحة العامة، بل من تضرر مصالح أطراف كانت مستفيدة من حالة الفوضى أو من “فتات” السلطة التي وفرها الإنتقالي خلال سنوات سيطرته. وهذا لا يعني إنكار حق التعبير أو الاعتراض، لكنه يضع تلك التحركات في سياقها السياسي والاجتماعي الحقيقي.
لقد ملّ الناس من الشعارات الكبيرة التي لا تنعكس على حياتهم اليومية، ومن الخطابات التي تَعِد بالدولة بينما تُنتج مزيدًا من الانهيار. ما يحتاجه الجنوب اليوم هو نموذج عملي، ولو متواضعًا، يثبت أن الجنوبيين قادرون على إدارة مؤسساتهم بكفاءة ومسؤولية، بعيدًا عن منطق الغلبة والقوة، وقريبًا من منطق النظام والقانون.
إن اختبار المرحلة الحالية لا يكمن في رفع السقوف السياسية، بل في القدرة على تثبيت الأمن، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، وتهيئة بيئة تسمح بحوار سياسي لاحق، أقل توترًا وأكثر عقلانية. فالاستقرار ليس نقيضًا للحقوق أو القضايا العادلة، بل شرطًا أساسيًا لأي مسار سياسي يمكن أن يفضي إلى حلول مستدامة، تحفظ كرامة الناس، وتصون المجتمع من الانزلاق مجددًا إلى صراعات لا رابح فيها.


















