كثيرًا ما يُنظر إلى الحوار، خصوصًا في المجتمعات التي مرّت بتجارب نزاع وتوتر، على أنه ضعف أو تراجع أو نوع من التنازل. تُربط القوة بالصوت العالي، بالحزم المفرط، أو بالقدرة على إسكات الآخر، بينما يُصوَّر من يدعو إلى الحوار وكأنه "يتنازل" أو "لا يمتلك موقفًا حاسمًا". هذه الصورة المشوّهة منتشرة في الواقع، وتنتقل من جيل إلى آخر، حتى أصبحت جزءًا من المفهوم الشعبي عن القوة.
لكن الحقيقة أن الحوار في جوهره فعل قوة لا ضعف. هو اختيار واعٍ لمواجهة الخلاف بالفهم، لا بالخصام. وهو دليل على أن صاحبه يمتلك ثقة داخلية، تجعله قادرًا على الاستماع للرأي المخالف دون أن يشعر بالتهديد. فالذي يتهرب من الحوار، أو يرفضه بشكل قاطع، إنما يعكس هشاشة في موقفه، أو خوفًا من زعزعة قناعاته، لا قوة كما يُعتقد.
في السياق اليمني، حيث مرّ المجتمع بمراحل مؤلمة من التشظي والتوتر، لا يزال الحوار يُفهم أحيانًا بطريقة سطحية. إذ يظنه البعض ترفًا لا طائل منه، أو مجرد محاولة لكسب الوقت. بينما في الحقيقة، هو من أهم الأدوات التي تتيح لنا إعادة بناء الثقة، وتجاوز آثار الماضي، وصناعة مساحات مشتركة يمكن للجميع العيش فيها بكرامة.
ومن هنا، يأتي دور الشباب. فهم الجيل الأقل تقييدًا بالمفاهيم القديمة، والأكثر انفتاحًا على التجربة، والمرشح الأول لإعادة تعريف ما تعنيه القوة، وما يعنيه الحوار. الشباب ليسوا مضطرين لتكرار الأساليب التي ثبت فشلها، بل بإمكانهم ابتكار طرق جديدة لفهم الآخر، للتعبير عن الذات، ولإدارة الخلافات اليومية بطريقة أكثر وعيًا وإنسانية.
الحوار لا يعني الاتفاق الدائم، بل يعني أننا قادرون على الاختلاف دون أن نتحوّل إلى خصوم. وهذا هو جوهر التعايش: أن نعيش معًا رغم اختلافنا، لا أن نُقصي بعضنا بحثًا عن تطابق مستحيل. فالمجتمعات التي ترفض الحوار، غالبًا ما تنتهي إلى مزيد من الانغلاق، والفرز، والتباعد، بينما تلك التي تزرع ثقافة النقاش، تصنع طريقًا أطول نحو الاستقرار.
ما نحتاجه اليوم هو تصحيح المفاهيم. أن نعيد تعريف القوة لا بوصفها قدرة على السيطرة، بل كقدرة على التفاهم. وأن نعيد النظر في الحوار لا كتنازل، بل كخطوة أولى نحو الفهم، ثم البناء. وهذه مهمة ثقافية وتربوية، تبدأ من البيت، من الأسرة، ومن المدرسة، وتمتد إلى الإعلام والمجتمع.
الشباب قادرون على قيادة هذا التغيير، ليس فقط بالكلام، بل بالممارسة. في النقاشات اليومية، في الجامعة، في الحي، في مواقع التواصل، وفي كل مساحة يحدث فيها اختلاف. يمكنهم أن يختاروا كلماتهم، أن ينصتوا، أن يسألوا بدل أن يحكموا، وأن يتحملوا مسؤولية ما يقولونه ويكتبونه.
ولعل من المهم التذكير بأن الحوار لا ينحصر في السياسة أو القضايا الكبرى. بل يبدأ من أصغر التفاصيل: كيف أعبّر عن رأيي دون جرح الآخر؟ كيف أواجه فكرة لا أوافقها دون أن أُسيء؟ كيف أكون صادقًا وواضحًا، دون أن أكون جارحًا أو عدوانيًا؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع الفرق.



















