لا يختلف اثنان على أن القضية الجنوبية قضية عادلة في جوهرها، وأنها نتاج تراكم طويل من المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعرّض لها الجنوبيون. ومن هذا المنطلق، فإن الخلاف القائم اليوم ليس خلافًا حول مبدأ القضية أو مشروعيتها، بل يتمحور أساسًا حول المنهج والوسائل المتبعة في السعي إلى حلها.
يرى بعض الفاعلين أن الوصول إلى الهدف يبرر استخدام أي وسيلة، بما في ذلك الارتهان لتحالفات خارجية متغيرة، أو إرسال رسائل سياسية تتجاوز الإرادة الشعبية، من دون العودة إلى الشعب الجنوبي بوصفه صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره. إن تغيّر مواقع التموضع الإقليمي، من طرف إلى آخر، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى استقلالية القرار الجنوبي، وحول ما إذا كانت الأولوية تُمنح فعلًا لبناء مشروع وطني جامع، أم لتعزيز نفوذ قوى بعينها.
كما أن من المقلق توصيف الخلاف السياسي الداخلي بلغة التخوين والعمالة، وهي لغة لا تخدم القضية، بل تساهم في تعميق الانقسام داخل المجتمع الجنوبي. فالاختلاف في الرأي أو في أدوات النضال لا يمكن، ولا ينبغي، أن يُفسَّر باعتباره خيانة، خصوصًا عندما يكون الدافع هو الحرص على القضية نفسها، ولكن من زاوية مختلفة.
ويُضاف إلى ذلك ازدواجية المعايير في التعامل مع مفاهيم الشراكة والشرعية؛ إذ يتم أحيانًا رفض مؤسسات الدولة واعتبارها امتدادًا لواقع مرفوض، وفي الوقت ذاته القبول بالشراكة في السلطة أو إدارة مناطق بعينها، مع إقصاء أو تهميش الأصوات المخالفة. إن مثل هذه الممارسات، بما في ذلك أي تجاوزات لحقوق الإنسان أو تقييد للحريات، تسيء للقضية أكثر مما تخدمها.
اليوم، وبعد تطورات شهدتها محافظات مثل حضرموت والمهرة، باتت الحاجة ملحّة لإجراء مراجعة هادئة ومسؤولة، تُقيّم النتائج وتستخلص الدروس، بعيدًا عن منطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع.


















