في التاريخ المعاصر وحين وضعت حضرموت أقدامها في زمن الاستكشافات الأوروبية للعالم من حولهم بداية من القرن الثامن عشر وما بعده، ثم وصول أول الرحالة فون أودلف فريدا في منتصف القرن التاسع عشر لساحل حضرموت.

وفي حمة التشكل ما بين التحديات المحلية والأطماع التي اتجهت صوب مناطق الشحر والحموم وعدن والنجدة الحمومية لإنقاذ الفارس الشحري أبو دجانة صاحب العصابة الحمراء، ثم الهبة الحضرمية الكبرى لإخراج المذهب الزيدي من حضرموت تحت قيادة يافع وبزعامة روحية من السادة الكرام ابن سالم بن الشيخ أبوبكر.

كانت المصادمات في حضرموت الفقيرة والجافة التي تأكل الأخضر واليابس، وعاشت صراعات قبلية طاحنة شديدة الوقع على معظم قبائل وسكان حضرموت، ولولا الفلوس التي تدفقت من المهجر الهندي والمهجر الأندنوسي وسكبت أغلبها أو أحرقت في أتون المعارك وشراء المقاتلين محليًّا ومن الجوار ومن النوبة.

الحكاية المعاصرة أن النهضة الحضرمية في مراحل متلاحقة لم توقفها هذه المصادمات وأجمل ما أظهرته هو التآخي ما بين قبائل الحموم وقبائل حضرموت كلها وقبائل يافع الحضرمية، إلا أن اجتهادات الحضارم كانت عميقة ولعب التأثير الديني دورًا كبيرًا في تحويل هذا التصادم إلى منحى التعايش والتآخي على أرض حضرموت قبل أن يعرف الأوروبيون والأمريكيون مفهوم التعايش إلا في أواخر القرن العشرين، مع إنهم سبقت لديهم أفكار الفلاسفة الألمان والفرنسيين والمذاهب والمفكرين من عهد الإغريق، لكن صناعة الحضارم وحسهم الشفاف جسدت النقلة النوعية في أن يتحد القبيلي والمتدين والمحارب من حضرموت ويافع القادمين لدحر الزيدية ونجحوا ثم وضعوا أرجلهم في مياه المحيط واتجهوا صوب السواحل وتنجانيكا وزنجبار والحبشة وحيدر آباد وجنوب شرق آسيا، وحين تبوأت يافع الحضارم في قيادة وقوام جيش حيدر آباد العربي في الهند، تمكن الحضارم ويافع الحضارم التواجد هناك وفي جاوا وسورابايا وتعايشوا يسندون بعضا وسط أعاصير وتحديات دينية وأممية وضعت أمامهم، وسجل التاريخ هناك بأسطر من ذهب دور الحضارم في الكفاح الوطني من أجل التحرر للملاوي كلها ولم يخرج من ذاكرة الباحثين وكل من كتب أو دون، حتى أن اليابان الفاشية حين هاجمت جاركرتا في عام 1941م، اقتحمت مباشرة صحيفة الترجمان وطاردت مالكها الحضرمي محمد بن يحيى عضو حركة المقاومة الملاوية ضد الفاشية.

أجمل ما قدمته حضرموت هو التآخي مع اليافعيين الحضارم منذ مئات السنين والذي جسده بشهامة الحموم كمقاتلين أسهموا في إقامة الدول وامتلكوا إقليم المشقاص الحضرمي واستعانت بهم دول وإمارات يافعية أسست في حضرموت منها الكسادية وسلطنة بن بريك في الشحر وكذا السلطنة الكثيرية وأيضًا بن عبدات، واشتد العداء في زمن نشأت الدولة القعيطية، ثم تراجع إثر تصالح السلطان صالح بن غالب القعيطي رائد المؤسسات والنهضة بحضرموت مع قبائل الحموم وفتح العلاقات واستوعب أبناءهم برحابة صدر وصدق، وكان عدد كبير من رجال الحموم قد انضم إلى جيوش المحور أو التحالف في فترة الحرب العالمية الثانية وشهد أن قائد القوات البرية الإيطالية في شمال أفريقيا وليبيا في زمن انتفاضة المحارب العربي عمر المختار كان القائد العساني من الرقق بالريدة الشرقية وعاد عجوزًا ليموت ويدفن بديس المكلا في السبعينات، ثم اشتراك الكل في تشرب الأفكار الحديثة في مفهوم القومية والنضال ضد الاستعمار وتصفيته وكذا التفهم لقضايا العرب وتحديات المعاصرة التي تلت ذلك.

حين أنظر إلى زيارات الزعيم القبلي عمرو بن حبريش الموجود في الرياض لعدد من السفراء وأهمية ما يقوم به، ولقاءاته الأخوية مع معظم قبائل حضرموت هناك تظهر ما يبدو أنه إحياء لما يجب أن يكون في وجه الإشاعات التي سربت، وكذا محاولات تزييف وتفكيك رابطة حلف القبائل المتحدة الحضرمية، والدفع بضعاف النفوس نحو محاولات ضرب النسيج الحضرمي وتخريب كل الجهود التي وجدت بعيدا عن الضغوطات الإقليمية والدولية، كل هذا هو ما يحمله اليوم الزعيم القبلي الحضرمي البارز عمرو بن حبريش وأدقق النظر فيما هو ماثل أمامنا فإن هناك أمر يدور في رأس هذا الرجل، وهو بسعة صدرة وحرية التفكير يبني حاجزًا في فهم الاتحاد القائم ووزن حضرموت بين الأمم، وما بين المكايدات والتآمر الذي يجب أن تسقط وتحرم من المرور حتى لا تسيئ وتعطل مساعي الحضارم في بناء الحلم وتضحياته القريب والبعيد، وانه لعمري ليس إلا السهل الممتنع، وسنرى ما يقول الغد.