قبل سنوات زرنا منزل أهل زوجتي، و كانت أختا زوجتي ما تزال صغيرتين، فقالت إحداهما للأخرى ظنًّا منها أن لا أحد يسمعها: "امشِ معي للثلاجة نأكل و نشرب" فقالت الأخرى: "و لكننا صيام" فقالت الأولى: "لا بأس طالما لا يرانا أحد فالكبار منشغلون" فقالت الأخرى: "و لكن الله يرانا".

فعلًا...إن كان الصيام و رمضان يعلمنا شيئًا، فهو تذكيرنا على الدوام بأن الله يرانا و يسمعنا و يراقب أفعالنا ويعلم نياتنا وأوقف ملكين يكتبان ويسجلان كل ما يحصل في كتاب لا يفوت فيه لا صغيرة ولا كبيرة، هو المدرسة الأولى في تعلم الإخلاص والتخلص من الرياء، في التخلص من الرغبة في الفائدة الدنيوية و الحصول على المكرمة البشرية التي لا تدوم، هو الميزان الذي يقيم أول قواعد الإيمان "إنما الأعمال بالنية، و إن لكل امرئٍ ما نوى".

يستطيع الإنسان أن يحتال و يأكل و يشرب دون أن يراه أحد، لكن أين سيختبأ من الله، و لعل هذا تذكير ببقية الأعمال الصالحة و السيئة و بمراقبة الله لها، فالله يرى من صلى و من لم يصلِّ، و يرى من يصدق و من يكذب، و يرى من كسب مالًا حلالًا أو حرامًا، يرى من ارتشى، يرى من غش، يرى من زور، و يعلم من يصوم و يصلي و يقوم بالحسنات إخلاصًا لله أم مجرد رياءً للناس و رغبةً في التقدير و المديح.

يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: "من لم يدع قول الزور و العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه" و في حديث جبريل الذي ذكر له أركان الإسلام و منها صوم رمضان، سأله عن الإحسان فقال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك"

و نتيجة معرفة الإنسان أن الله يراقبه في كل حين و مكان، أن يعلم أن مآل تلك المراقبة الإلهية هو حساب دقيق على تلك الأعمال، ثم جزاء عادل، فإما إلى جنة...أو إلى غيرها.