لم تكن أزمة الجنوب في يوم من الأيام أزمة شعار، بل أزمة إدارة وتمثيل ورؤية سياسية جامعة. ومن أخطاء المجلس الانتقالي الجنوبي أنه سعى إلى احتكار تمثيل القضية الجنوبية، متجاوزًا حقيقة أن هذه القضية أوسع من أي مكوّن سياسي، وأنها ملك لمجتمع متنوع في آرائه وتياراته وتاريخه النضالي.
إن محاولة اختزال الجنوب في إطار تنظيمي واحد أفضت إلى شرخ عميق في نسيجه الاجتماعي. فبدل أن يكون المشروع جامعًا، اتجه إلى تقريب دائرة ضيقة من المقربين، وغلب الطابع المناطقي في تشكيلاته العسكرية والأمنية، ما عزز الإحساس بالإقصاء لدى قطاعات واسعة من أبناء المحافظات الأخرى. ومع مرور الوقت، تحوّل شعار “استعادة الدولة” من عنوان سياسي قابل للنقاش إلى أداة تعبئة تُستخدم في صراعات داخلية، كان ضحيتها – في أحيان غير قليلة – جنوبيون أنفسهم.
لقد شهدت السنوات الماضية مفارقات سياسية لافتة: من إعلان النفير في مواجهة خصوم جنوبيين، إلى المشاركة في مؤسسات الدولة والحكومة إلى جانب قوى شمالية، ثم العودة إلى خطاب يرفض تلك الشراكة. هذا التذبذب في المواقف أضعف الثقة، وعمّق الانقسام، وأربك الرأي العام الذي يبحث عن اتساق في الرؤية لا عن شعارات ظرفية.
كما أن ما نُسب إلى المرحلة السابقة من فرض جبايات، وتجاوزات مالية، ووجود سجون خارج إطار القانون، إن ثبتت مسؤولية أي جهة عنها، فهي تمثل انتكاسة خطيرة لأي مشروع يدّعي تمثيل قضية عادلة. فالقضايا الوطنية لا تُخدم بإضعاف مؤسسات الدولة، ولا بتكريس منطق الأمر الواقع، بل ببناء نموذج حكم رشيد يقدّم مثالًا أخلاقيًا وسياسيًا مختلفًا.
أما الدعوة إلى تظاهرات تتجه نحو اقتحام مقار سيادية – مثل قصر معاشيق في عدن حيث تقيم الحكومة – فإنها تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بالفرق بين الحق في التظاهر السلمي، وهو حق مكفول، وبين الانزلاق إلى مواجهات مع الأجهزة الأمنية قد تقود إلى الفوضى. إن عدن، التي دفعت أثمانًا باهظة خلال العقد الماضي، أحوج ما تكون اليوم إلى التهدئة لا إلى استدعاء سيناريوهات التصعيد.
القضية الجنوبية، مهما اختلفت الرؤى حول حلّها، لا يمكن أن تكون حكرًا على طرف دون آخر. فهناك قوى سياسية ومجتمعية جنوبية متعددة، تختلف في الوسائل والبرامج، لكنها تتفق في رفض منطق الاستحواذ والإقصاء. إن التعدد في الرؤى ليس تهديدًا للقضية، بل ضمانة لعدم انحرافها.
إن مسؤولية اللحظة تقتضي تغليب العقل، وتقديم مصلحة المجتمع على حسابات التنظيم. فالاستقرار في عدن وبقية المناطق المحررة ليس مكسبًا لفريق دون آخر، بل ضرورة لحياة الناس اليومية، ولإعادة بناء الثقة في فكرة الدولة نفسها.
ربما آن الأوان للانتقال من مرحلة الشعارات القصوى إلى مرحلة المراجعة الهادئة؛ مراجعة تعترف بالأخطاء، وتفتح المجال لحوار جنوبي – جنوبي حقيقي، يقوم على الشراكة لا على المغالبة، وعلى احترام حق الاختلاف لا تخوينه. فالقضايا العادلة تُقوَّى بالاتساع، لا بالاحتكار.
إن محاولة اختزال الجنوب في إطار تنظيمي واحد أفضت إلى شرخ عميق في نسيجه الاجتماعي. فبدل أن يكون المشروع جامعًا، اتجه إلى تقريب دائرة ضيقة من المقربين، وغلب الطابع المناطقي في تشكيلاته العسكرية والأمنية، ما عزز الإحساس بالإقصاء لدى قطاعات واسعة من أبناء المحافظات الأخرى. ومع مرور الوقت، تحوّل شعار “استعادة الدولة” من عنوان سياسي قابل للنقاش إلى أداة تعبئة تُستخدم في صراعات داخلية، كان ضحيتها – في أحيان غير قليلة – جنوبيون أنفسهم.
لقد شهدت السنوات الماضية مفارقات سياسية لافتة: من إعلان النفير في مواجهة خصوم جنوبيين، إلى المشاركة في مؤسسات الدولة والحكومة إلى جانب قوى شمالية، ثم العودة إلى خطاب يرفض تلك الشراكة. هذا التذبذب في المواقف أضعف الثقة، وعمّق الانقسام، وأربك الرأي العام الذي يبحث عن اتساق في الرؤية لا عن شعارات ظرفية.
كما أن ما نُسب إلى المرحلة السابقة من فرض جبايات، وتجاوزات مالية، ووجود سجون خارج إطار القانون، إن ثبتت مسؤولية أي جهة عنها، فهي تمثل انتكاسة خطيرة لأي مشروع يدّعي تمثيل قضية عادلة. فالقضايا الوطنية لا تُخدم بإضعاف مؤسسات الدولة، ولا بتكريس منطق الأمر الواقع، بل ببناء نموذج حكم رشيد يقدّم مثالًا أخلاقيًا وسياسيًا مختلفًا.
أما الدعوة إلى تظاهرات تتجه نحو اقتحام مقار سيادية – مثل قصر معاشيق في عدن حيث تقيم الحكومة – فإنها تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بالفرق بين الحق في التظاهر السلمي، وهو حق مكفول، وبين الانزلاق إلى مواجهات مع الأجهزة الأمنية قد تقود إلى الفوضى. إن عدن، التي دفعت أثمانًا باهظة خلال العقد الماضي، أحوج ما تكون اليوم إلى التهدئة لا إلى استدعاء سيناريوهات التصعيد.
القضية الجنوبية، مهما اختلفت الرؤى حول حلّها، لا يمكن أن تكون حكرًا على طرف دون آخر. فهناك قوى سياسية ومجتمعية جنوبية متعددة، تختلف في الوسائل والبرامج، لكنها تتفق في رفض منطق الاستحواذ والإقصاء. إن التعدد في الرؤى ليس تهديدًا للقضية، بل ضمانة لعدم انحرافها.
إن مسؤولية اللحظة تقتضي تغليب العقل، وتقديم مصلحة المجتمع على حسابات التنظيم. فالاستقرار في عدن وبقية المناطق المحررة ليس مكسبًا لفريق دون آخر، بل ضرورة لحياة الناس اليومية، ولإعادة بناء الثقة في فكرة الدولة نفسها.
ربما آن الأوان للانتقال من مرحلة الشعارات القصوى إلى مرحلة المراجعة الهادئة؛ مراجعة تعترف بالأخطاء، وتفتح المجال لحوار جنوبي – جنوبي حقيقي، يقوم على الشراكة لا على المغالبة، وعلى احترام حق الاختلاف لا تخوينه. فالقضايا العادلة تُقوَّى بالاتساع، لا بالاحتكار.


















