​قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107)، وقد أوضح ذلك في شخصه صلى الله عليه وسلم وفي تعاملاته مع أصحابه وأعدائه على السواء؛ حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال محفِّزاً ومرغِّباً على التخلُّق بهذا الخُلُق وتلك القيمة النبيلة: «لا يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ» (البخاري).

وكلمة «الناس» لفظة عامة تشمل كل أحد، دون اعتبار لجنس أو دين، وفي ذلك قال العلماء: هذا عامٌّ يتناول رحمة الأطفال وغيرهم.

وقال ابن بطال: «فيه الحثُّ على استعمال الرحمة لجميع الخلق؛ فيدخل المؤمن والكافر والبهائم، المملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي، والتخفيف في الحمل، وترك التعدِّي بالضرب».

وقد أقسم الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر قائلاً: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَضَعُ اللهُ رَحْمَتَهُ إِلَّا عَلَى رَحِيمٍ». قالوا: يا رسول الله، كلُّنا يَرحم. قال: «لَيْسَتْ بِرَحْمَةِ أَحَدِكُمْ صَاحِبَهُ؛ يَرْحَمُ النَّاسَ كَافَّةً» (صححه الألباني). فالمسلم يرحم الناس كافةً: أطفالاً ونساءً وشيوخاً، مسلمين وغير مسلمين.

وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (الترمذي، وصححه الألباني). وكلمة «مَنْ» تشمل كلَّ من في الأرض.

وهكذا هي الرحمة في مجتمع المسلمين، تلك القيمة الأخلاقية العملية التي تعبِّر عن تعاطف الإنسان مع أخيه الإنسان؛ بل هي رحمة تتجاوز الإنسان بمختلف أجناسه وأديانه إلى الحيوان الأعجم، إلى الدواب والأنعام، وإلى الطير والحشرات.

فقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة دخلت النار لأنها قست على هرة ولم ترحمها، فقال صلى الله عليه وسلم: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» (البخاري).

كما أعلن صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل غفر لرجل رحم كلباً فسقاه من العطش، فقال صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ بِي. فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجراً؟ قال: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» (البخاري).