يكثر في بعض المنعطفات السياسية خطاب التحذير من "الفتنة" و"الأعداء المتربصين"، وغالبًا ما يرتفع هذا الصوت تحديدًا عند أفول النفوذ أو خسارة الموقع في السلطة. والمفارقة أن هذا الخطاب يكاد يغيب عندما يكون أصحابه في موقع القرار، حيث تنحصر الرؤية في إدارة النفوذ وتوسيع دوائره، بينما تتراجع لغة النصيحة العامة والمخاوف الوطنية.
هذه الازدواجية لا تعكس حرصًا مبدئيًا على الجنوب أو قضيته، بقدر ما تكشف عن توظيف سياسي لمفردات الخطر والمؤامرة. فحين تضيق دوائر النفوذ، يُستدعى خطاب التخويف لتحريك العاطفة العامة، وتصوير المشهد وكأن البلاد على شفا انهيار لا ينقذها إلا عودة "المنقذ" السابق.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التحذير ذاته، بل في احتمالية توظيفه لإنتاج الفوضى. فثمة من لا يستطيع العمل إلا في بيئة مضطربة، حيث تختلط الأوراق، وتضيع المسؤوليات، ويُعاد تشكيل موازين القوى خارج الأطر المؤسسية. وفي مثل هذه الأجواء، تصبح "القضية" شعارًا تعبويًا أكثر منها مشروعًا وطنيًا منضبطًا.
إن المزايدة باسم الجنوب، سواء في سياق الوحدة أو الانفصال، لا تعني بالضرورة انحيازًا حقيقيًا لمصالح الناس. فالمعيار ليس في الشعار المرفوع، بل في السلوك السياسي المتسق، وفي القدرة على تقديم نموذج أخلاقي في الحكم والمعارضة معًا.
لقد مرّ المجتمع الجنوبي بتجارب قاسية، وتعلّم – بثمن باهظ – التمييز بين من يعمل من أجل القضية ومن يتخذها سلّمًا للعودة إلى السلطة. ومن الحكمة اليوم ألا يُستدرج الناس مجددًا إلى معارك مصطنعة، أو يُستثاروا بخطاب التخويف الذي لا يقدم حلولًا بقدر ما يعيد إنتاج الأزمة.


















