​ليس من الحكمة أن نضع العربة أمام الحصان. فالأحداث المتسارعة التي شهدها الجنوب خلال الفترة الماضية، وما رافقها من متغيرات سياسية وغياب بعض القيادات عن المشهد، تفرض قراءة هادئة وواقعية لما يجري، بعيدًا عن التسرع في الأحكام أو الانجرار خلف الشائعات والتأويلات.

الجنوب اليوم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، تتشكل ملامحها بدعم مباشر واهتمام واضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين لم يقتصر دورهم على الجانب المالي أو دعم الخدمات، بل امتد ليشمل الإسناد السياسي والمساعدة في تهيئة الظروف لعودة الاستقرار الأمني والاقتصادي.

وما يهم في هذا السياق هو المسار السياسي الذي يجري العمل عليه حاليًا، والمتمثل في الحوار الجنوبي – الجنوبي الذي تحتضنه الرياض برعاية سعودية. هذا الحوار لا يأتي كإجراء شكلي أو محطة عابرة، بل كفرصة حقيقية لإعادة ترتيب البيت الجنوبي من الداخل على أساس الشراكة والتوافق، بعيدًا عن الصراعات البينية التي أضعفت الموقف الجنوبي في مراحل سابقة.

وتشير المعطيات إلى أن العاصمة السعودية تشهد سلسلة من اللقاءات وورش العمل التي تجمع أطيافًا مختلفة من المكونات والشخصيات الجنوبية، في محاولة للوصول إلى رؤية مشتركة تعبّر عن تطلعات أبناء الجنوب.

ورغم وجود أصوات تشكك في جدوى الحوار أو في مخرجاته المتوقعة، فإن ما يتم تداوله من قبل قيادات جنوبية مشاركة في هذه اللقاءات يشير إلى أجواء إيجابية، وقدر من الصراحة والوضوح في النقاشات، خصوصًا فيما يتعلق بالسقف السياسي الجنوبي.

كما أن الرسائل المنقولة عن المسؤولين السعوديين تؤكد دعمًا واضحًا لأي توافق يتوصل إليه أبناء الجنوب، وهو عامل مهم يعزز فرص نجاح هذا المسار إذا ما توفرت الإرادة الجنوبية الصادقة.

لا شك أن المشهد الجنوبي يشهد إعادة تشكل، وأن بعض الأطراف أو القيادات قد تغيب عن الواجهة في هذه المرحلة. لكن إذا كان الهدف هو استعادة الدولة الجنوبية وتحقيق تطلعات شعب الجنوب الذي ناضل من أجلها لسنوات طويلة، فإن المعيار يجب أن يكون المصلحة العامة لا الأسماء أو المواقع.

فالتحولات السياسية بطبيعتها تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح الفرصة لمن يستطيع العمل ضمن رؤية جماعية تخدم المشروع الوطني.
ومع ذلك، فإن نجاح أي مرحلة قادمة يبقى مرهونًا بمدى اتساع دائرة المشاركة.

فالحوار الحقيقي لا يكتمل إلا بحضور مختلف المكونات السياسية والاجتماعية التي كان لها دور في الحراك والثورة الجنوبية، بعيدًا عن سياسة الإقصاء أو التهميش أو حصر القرار في دائرة ضيقة من القيادات.

الجنوب لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الأزمات القديمة بوجوه جديدة، بل إلى شراكة واسعة تقوم على الاعتراف بالتعددية واحترام دور الجميع.

إن اللحظة الراهنة تمثل اختبارًا حقيقيًا للنخب والقوى السياسية الجنوبية: إما أن ترتقي إلى مستوى التحدي وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، أو أن تعيد إنتاج الخلافات التي أضاعت فرصًا كثيرة في الماضي.

وبين التشكيك والتفاؤل، يبقى الرهان على وعي أبناء الجنوب وقدرتهم على تحويل هذا الحوار إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة من الاستقرار، وبناء مشروع سياسي جامع يعبر عن إرادة الناس ويستجيب لتطلعاتهم في الأمن والاستقرار واستعادة دولتهم.