دخلنا الأسبوع الثاني من حربٍ عرفنا بدايتها، ولا يعرف أحدٌ نهايتها. فالحروب نادرا ما تنتهى كما بدأت، وغالبا ما تتسع دوائرها حتى تتجاوز أطرافها الأولى. وما نراه اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل كرة نار تتدحرج في الإقليم، وتتطاير شظاياها فوق أكثر من بلد، بما ينذر بأن المنطقة كلها تقف على حافة إعادة تشكيل سياسي وأمني واسع. غير أن السؤال الذي يتردد كثيرا في مثل هذه اللحظات: هل من يبدأ المأساة ينهيها؟، حسب قصيدة نزار قباني الشهيرة بصوت نجاة الصغيرة.

الجواب غالبا: لا.

ففي السياسة الأمر غير ما يذهب له الشعراء، فالحروب الكبرى لا تنتهى بقرار الطرف الذي أشعلها، بل عندما تتبدل موازين القوى، أو عندما تصل الأطراف جميعا إلى قناعة بأن استمرارها صار أكثر كلفة من إنهائها.

وما يحدث اليوم في المواجهة الأمريكية الإيرانية يقترب من هذا النوع من الحروب التي تتجاوز الحسابات التكتيكية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.

دخلت إيران إلى المفاوضات خلال السنوات الماضية وهى ترفع شعار الصبر الاستراتيجي. كان الهدف كسب الوقت، وتخفيف الضغوط، وإدارة الصراع مع الغرب دون خسارة أوراق النفوذ في الإقليم. لكن ما بدا في حينه سياسة براجماتية، يتحول اليوم إلى مأزق استراتيجي حاد.

فقد خسرت طهران الكثير من موقعها الإقليمي، وها هي تواجه خسارة توازنها الداخلي أيضا.

لقد فاوضت إيران الغرب على تقليص برنامجها النووي، بل إن بعض الطروحات وصلت إلى سقف صفر تخصيب لليورانيوم، لكن النتيجة التي تلوح في الأفق اليوم تبدو مختلفة تماما: صفر علاقات إقليمية، وصفر ثقة، وربما صفر استقرار داخلي. فالمفاوض الذي ظن أنه يستطيع إدارة اللعبة ضاحكا مع الجميع، وجد نفسه في حالة صدام مفتوحة. تنذر ببكاء مر وطويل.

غير أن المشكلة الأعمق في السياسة الإيرانية لم تكن في صراعها مع واشنطن أو تل أبيب فقط، بل في طريقة إدارتها علاقتها بالعالم العربي. فبدل أن تقدم نفسها شريكا طبيعيا في الجغرافيا والتاريخ، اختارت أن تظهر كقوة توسع أيديولوجي، تحمل مشروعا عابرا للدول. وباسم تصدير الثورة بنت شبكة من الأذرع المسلحة في أكثر من بلد عربي، وفتحت أبواب صراعات لم تكن موجودة بهذا الشكل من قبل.

نظرة فيها تكبر تجاه المحيط العربي وحسب مذكرات جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الأسبق أن التعامل مع الدول في المنطقة العربية يجب أن يقوم على أساسٍ أبويٍّ .يشعر الآخر بالخوف. وخلال أربعة عقود نجحت طهران في تحويل بوصلة الصراع في المنطقة. فبدل أن يبقى الصراع الأساسي مع الكيان الإسرائيلي المغتصب للأرض والحق، تحولت المنطقة تدريجيا إلى ساحة صراع محتدم معها. وبدل أن يكون أساس المعركة تجاه عدو محتل ، أو ضد التخلف والقمع. إذ بالمنطقة تغرق في صراع مذهبي، وهو صراع لم يكن في تاريخه الطويل أكثر من جدل فكرى أو روايات تاريخية. لكنه اليوم صار بنادق وميليشيات وحروبا بالوكالة.

بهذا المعنى، فإن جزءًا كبيرًا من المأساة الحالية هو نتيجة مباشرة لهذه السياسات التي جعلت من الانقسام المذهبي وقودًا للصراع السياسي. ومصدر حياة لإسرائيل.

اليوم يتغير المشهد بسرعة. فالحرب الجارية ليست مجرد جولة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية يعاد فيها تشكيل موازين القوى في المنطقة. وسواء سقط النظام في طهران أو بقى، فإن الواضح أن مرحلة كاملة من تاريخ العلاقات الإقليمية تقترب من نهايتها. لكن الخطر الأكبر أن تتحول هذه الحرب – كما يريد لها البعض – إلى حرب عربية إيرانية شاملة. فذلك سيكون السيناريو الأكثر كارثية، لأنه سيحول الصراع إلى مواجهة جغرافية وتاريخية مفتوحة، لا رابح فيها.

السؤال الحقيقي الذى ينبغي التفكير فيه منذ الآن ليس فقط: كيف تنتهى هذه الحرب؟ بل: كيف سيُبنى ما بعدها؟ فإذا سقط نظام الملالى، فالتحدي لن يكون في سقوطه فقط، بل في كيفية احتواء إيران كشعبٍ ودولة، وإعادة دمجها في منظومة إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة لا على تصدير الأيديولوجيا والسلاح.

وإذا بقى النظام، فستكون الحاجة أكثر إلحاحا لإعادة تعريف قواعد العلاقة بين العرب وإيران على أساس واضح: احترام السيادة، ووقف سياسة الأذرع المسلحة، وبناء منظومة تعاون إقليمي حقيقية.

إن هذه الحرب، رغم قسوتها، قد تكون أيضا فرصة تاريخية لإعادة التفكير في مستقبل المنطقة. فالمحن الكبرى كثيرا ما تفتح أبواب التحولات الكبرى. لكن السؤال الذي سيبقى معلقا: هل سيتعلم الجميع من المأساة؟. وهل ندرك الآن مدى فداحة غياب المشروع العربي الذي يمكنه أن يجمع الأمة، أو يوقف بعض شتاتها على الأقل، في لحظة فارقة كهذه.؟ أم سنظل ندور في الحلقة نفسها التي خبرتها منطقتنا طويلاً؟.

"الأهرام"