> عدن «الأيام» تحليل سياسي:
- تسليح وإمداد وتطوير.. طهران تمكن صنعاء من المنطقة
- قرار إشعال الجبهات في اليمن بيد الحرس الثوري الإيراني
- شمال اليمن أصبح منصة نفوذ إيرانية بقلب جزيرة العرب
> التصريحات المنسوبة إلى إسماعيل كوثري، القيادي السابق في الحرس الثوري وعضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، بشأن وجود "مهمة خاصة"للحوثيين تُنفَّذ" في الوقت المناسب"، ليست زلة لسان عابرة، بل إقرار سياسي إيراني بوظيفة الجماعة داخل المنظومة الإقليمية لطهران. فحين يتحدث مسؤول إيراني بهذا الوضوح عن دور مؤجل ومُدار التوقيت، فإنه ينزع عن الحوثي صفة "الفاعل الوطني المستقل"، ويضعه في موضع الذراع التي تُحركها الحسابات الإيرانية متى اقتضت الحاجة.

"كوثري" يفضح وظيفة الحوثيين داخل المنظومة الإيرانية
وقد نقلت وسائل إعلام هذا المضمون يوم 9 مارس 2026، بينما تُظهر تحليلات حديثة أن الحوثيين، رغم خطابهم التصعيدي، ما زالوا يوازنون توقيت تدخلهم ضمن السياق الأوسع لاستراتيجية إيران الإقليمية.
المسألة هنا لا تتعلق بمجرد "تعاطف سياسي" بين طهران والحوثيين، بل بعلاقة تمكين عسكري ومالي وتقني تراكمت عبر سنوات. مجلس العلاقات الخارجية CFR يذكر أن الدعم الإيراني رفع القدرات العسكرية للحوثيين وساعدهم على توسيع مدى تأثيرهم إلى البحر الأحمر، فيما تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية في أكثر من بيان أن الحوثيين "مدعومون من إيران"، وأن شبكاتهم المالية واللوجستية والتهريبية ترتبط بعمليات أوسع تشمل تسهيل التمويل والتسليح. كما فرضت واشنطن في سبتمبر 2025 عقوبات على أفراد وكيانات وسفن قالت إنها جزء من شبكة جمع أموال وتهريب وشراء أسلحة لصالح الحوثيين المدعومين من إيران.
الأخطر من ذلك أن تقارير أممية ورسمية لم تعد تتعامل مع هذا الارتباط بوصفه اتهامًا سياسيًا فقط، بل كمعطى تدعمه مؤشرات مادية. تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن بشأن اليمن لعام 2025 أشار إلى "انتهاكات ممنهجة" لقرارات المجلس أتاحت للحوثيين الحصول على أسلحة ومواد ذات استخدام مزدوج وتقنيات أخرى، بما يمكّنهم من تهديد الجوار والملاحة التجارية وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
وبالتوازي، نشرت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية دراسة مقارنة قالت إن صور الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يستخدمها الحوثيون، إلى جانب المضبوطات المهربة من إيران، "تشير بقوة" إلى منشئها الإيراني. هذا يعني أن التبعية ليست خطابًا سياسيًا فقط، بل بنية تسليح وإمداد وتطوير عملياتي.
ومن هنا، فإن القول إن قرار إشعال الجبهات لا يصدر بالكامل من صنعاء بل من طهران يصبح أقرب إلى الوصف الواقعي منه إلى المبالغة الخطابية. صحيح أن الحوثي يملك حساباته المحلية، ويراعي توازناته الداخلية ومصالحه السلطوية داخل اليمن، لكن سقف التصعيد، وطبيعة الرسائل العسكرية، وتوقيت فتح الجبهات أو تجميدها، كلها تبدو مرتبطة بموضعه داخل "محور" تقوده إيران. حتى التريث الحوثي النسبي في الأيام الأخيرة، رغم الحرب الإقليمية الجارية، لا ينفي التبعية؛ بل قد يؤكدها، لأن معنى "المهمة المؤجلة" هو أن قرار التفعيل ليس قرارًا محليًا صرفًا، وإنما جزء من إدارة إيرانية للإيقاع والتوقيت والكلفة.
على هذا الأساس، تنهار رواية الحوثي عن"السيادة الوطنية". فالجماعة التي تُقدِّم نفسها باعتبارها مشروعًا يمنيًا مستقلاً تبدو، في ضوء هذا التراكم من التصريحات والوقائع، أقرب إلى وظيفة عسكرية ضمن شبكة النفوذ الإيراني. وعندما يتحول الفاعل المسلح إلى أداة ضغط تستخدمها طهران عند الحاجة، فإن اليمن لا يعود في الحسابات الإيرانية دولة ذات سيادة، بل يتحول إلى ساحة متقدمة لإرسال الرسائل وابتزاز الخصوم ورفع كلفة الصراع بعيدًا عن الأراضي الإيرانية.
هذا ما يفسر لماذا يُستنزف اليمنيون في معارك لا تخدم بناء الدولة، بينما تُستثمر الجغرافيا اليمنية في مشروع إقليمي أكبر من اليمن نفسه.
والبعد الأخطر يتجاوز الداخل اليمني إلى الأمن الإقليمي والدولي. فالهجمات الحوثية على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن حوّلت اليمن إلى منصة تهديد واحدة من أهم عقد التجارة والطاقة في العالم. وزارة الخارجية الأمريكية وصفت هذه الهجمات بأنها تهدد حرية الملاحة والأمن الاقتصادي والبحري الإقليمي، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن الحوثيين نفذوا هجمات على الشحن التجاري في البحر الأحمر باستخدام ألغام وقوارب مفخخة ووسائط قتالية أخرى. ومع اشتداد التوتر الإقليمي اليوم، تزداد قيمة الورقة الحوثية بالنسبة لإيران، لأن باب المندب والبحر الأحمر يتيحان لها توسيع مسرح الضغط من الخليج إلى طرق التجارة العالمية.
سياسيًا، هذا يفضي إلى نتيجة شديدة الوضوح: أي مقاربة تتعامل مع الحوثي باعتباره مجرد طرف يمني محلي يمكن استيعابه دون تفكيك بنيته العسكرية العابرة للحدود، هي مقاربة ناقصة.
فاستمرار سيطرة الجماعة على أجزاء واسعة من اليمن لا يعني فقط استمرار أزمة الحكم والانقلاب، بل يعني أيضًا بقاء منصة نفوذ إيرانية على واحد من أكثر المواقع الاستراتيجية حساسية في المنطقة. ولهذا فإن أي تسوية لا تعالج مسألة السلاح، والارتباط الخارجي، وشبكات التهريب والتمويل، ستبقي اليمن رهينة لوظيفة إقليمية لا لمشروع دولة.
تصريحات كوثري مهمة لأنها لم تفتح ملفًا جديدًا، بل أزالت الغطاء عن ملف قديم. هي تقول، بصراحة إيرانية نادرة، إن الحوثي ليس مشروع دولة، بل أداة ضمن مشروع نفوذ. والخطر هنا لا يقتصر على أن الجماعة تخضع لتأثير طهران، بل في أنها صارت جزءًا من هندسة الردع والضغط الإيرانية في المنطقة.
وبذلك، فإن بقاء الحوثي مسيطرًا ومسلحًا لا يعني استمرار مأساة اليمن فحسب، بل يعني أيضًا بقاء باب تهديد مفتوحًا على أمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر والملاحة الدولية ويهدد بجر اليمن الى حرب اقليمية ودولية هي بغني عنه الأن.


















