> فردوس العلمي:
أحد عشر عامًا مضت على حرب عدن، لكن بالنسبة لبعض الأسر لم تنتهِ الحرب بعد. فما زالت تعيش آثارها كل يوم، بين منزلٍ مفقود، وتعويضٍ غائب، وإيجارات تستنزف ما تبقى من القدرة على الصمود.
مرت السنوات، وانشغل الجميع بملفات وأحداث جديدة، بينما بقيت مئات الأسر التي فقدت منازلها وممتلكاتها تنتظر إنصافًا لم يأتِ بعد. وبينما توقفت المعارك، بدأت معركة أخرى أكثر قسوة؛ معركة البحث عن مأوى، ومواجهة غلاء المعيشة، وتحمل أعباء الإيجارات، في ظل غياب التعويضات.
هذه الرسالة المادة ليست تحقيقًا صحفيًا، ولا تقريرًا يعتمد على الأرقام والإحصاءات، بل مساحة إنسانية تنقل شهادات من عاشوا المأساة وما زالوا يعيشون آثارها حتى اليوم، لعل أصواتهم تصل إلى أصحاب القرار، فيتذكروا أن للحرب ضحايا لم تنتهِ معاناتهم بانتهاء المعارك.
هناك لحظات في حياة الإنسان تُجبره على اتخاذ أصعب القرارات في ثوانٍ معدودة؛ لحظات لا يكون فيها مجال للتردد، فيجد نفسه أمام خيار قاسٍ: أن يحافظ على ممتلكاته التي أفنى عمره في جمعها، أم ينقذ أرواح أحبته. وفي حرب عام 2015 التي شهدتها مدينة عدن، عاشت آلاف الأسر هذه اللحظات المؤلمة، وكانت أسرة المهندسة ليندا واحدة من تلك الأسر التي دفعت ثمنًا باهظًا للحرب، وما زالت آثارها تلاحقها حتى اليوم.
تروي المهندسة ليندا تفاصيل تلك الأيام بمرارة، قائلة:"في أبريل 2015، لم يكن أمامنا سوى ثوانٍ معدودة لنختار بين ممتلكاتنا وأرواحنا. غادرنا منزلنا تاركين خلفنا كل ما نملك، دون أموال أو مدخرات أو حتى وثائق تثبت هويتنا. لم ننجُ إلا بأرواحنا. خرجنا بما كنا نرتديه من ملابس، حفاة الأقدام، وكانت تلك بداية مأساة لم تنتهِ فصولها حتى اليوم"، وتضيف:"في الثاني من أبريل 2015، اقتربت الاشتباكات العنيفة من حيّنا في كريتر، واشتدت بصورة مرعبة. فجأة اندلع حريق هائل في الشقة الواقعة أسفل منزلنا مباشرة، وبدأت ألسنة اللهب تمتد سريعًا نحو شقتنا. حاولنا بكل ما أوتينا من قوة إخماد النيران، لكنها كانت أقوى من إمكانياتنا. وبعد دقائق، جاءنا تحذير عاجل بضرورة إخلاء المنزل فورًا بعدما خرج الحريق عن السيطرة. خرجنا ونحن لا نعلم إلى أين نتجه، تاركين خلفنا كل شيء، حتى أحذيتنا".
وتتابع: "ما إن خرجنا من بوابة العمارة حتى وجدنا أنفسنا وسط ساحة معركة حقيقية، حيث كان القنص متبادلًا بين المقاومة والحوثيين. ركضنا ونحن نضع أيدينا على قلوبنا خوفًا من رصاصة طائشة، وبفضل الله نجونا جميعًا، لكن تلك النجاة لم تكن سوى بداية رحلة طويلة من المعاناة".

تقول المهندسة ليندا: "بعد توقف الحرب، عدنا إلى عدن محملين بالأمل، لكن الواقع كان أقسى مما توقعنا. وجدنا عمارة العائلة، المكونة من ست شقق، وقد دُمرت بالكامل وسُويت بالأرض، وكانت لنا فيها شقتان".
وتضيف:"لم نخسر منزلًا فقط، بل خسرنا أمي أيضًا. لم تتحمل رؤية شقاء العمر وهو ينهار أمام عينيها، فأصيبت بذبحة صدرية توفيت على إثرها. ماتت وهي تحلم بالعودة إلى منزلها".
وتختتم المهندسة حديثها:"منذ ذلك اليوم ونحن نعيش حربًا من نوع آخر. ندور في دوامة الإيجارات، بينما تتراجع قيمة الرواتب باستمرار، ويطالبنا ملاك المنازل بالدفع بالعملة الصعبة. طرقنا أبواب المسؤولين والجهات الحكومية، وقدمنا مناشدات كثيرة للحصول على تعويض أو مساعدة، لكن دون استجابة.انتهت الحرب العسكرية، لكن حربنا اليومية من أجل تأمين سقف يحمينا ما زالت مستمرة".



وتسترجع رحلة النزوح:"بعد احتراق منزلنا في مارس 2015، نزحنا إلى المنصورة، ثم إلى مدينة الشعب، وبعدها إلى القرية، قبل أن نعود إلى عدن في السابع والعشرين من رمضان. تنقلنا بين بيوت الإيجار سنوات طويلة، ثم اضطررنا إلى السكن في منزل كانت مياه الصرف الصحي تغمره باستمرار، فعشنا ثمانية أشهر وسط معاناة لا توصف، قبل أن ننتقل إلى منزل آخر ما زلنا نستأجره حتى اليوم".


إن إنصاف المتضررين ليس منحة، بل حق، ورد اعتبار لمن فقدوا منازلهم وأمانهم بسبب الحرب. فهل تجد هذه الأصوات من يصغي إليها بعد أحد عشر عامًا من الانتظار؟
مرت السنوات، وانشغل الجميع بملفات وأحداث جديدة، بينما بقيت مئات الأسر التي فقدت منازلها وممتلكاتها تنتظر إنصافًا لم يأتِ بعد. وبينما توقفت المعارك، بدأت معركة أخرى أكثر قسوة؛ معركة البحث عن مأوى، ومواجهة غلاء المعيشة، وتحمل أعباء الإيجارات، في ظل غياب التعويضات.
هذه الرسالة المادة ليست تحقيقًا صحفيًا، ولا تقريرًا يعتمد على الأرقام والإحصاءات، بل مساحة إنسانية تنقل شهادات من عاشوا المأساة وما زالوا يعيشون آثارها حتى اليوم، لعل أصواتهم تصل إلى أصحاب القرار، فيتذكروا أن للحرب ضحايا لم تنتهِ معاناتهم بانتهاء المعارك.
هناك لحظات في حياة الإنسان تُجبره على اتخاذ أصعب القرارات في ثوانٍ معدودة؛ لحظات لا يكون فيها مجال للتردد، فيجد نفسه أمام خيار قاسٍ: أن يحافظ على ممتلكاته التي أفنى عمره في جمعها، أم ينقذ أرواح أحبته. وفي حرب عام 2015 التي شهدتها مدينة عدن، عاشت آلاف الأسر هذه اللحظات المؤلمة، وكانت أسرة المهندسة ليندا واحدة من تلك الأسر التي دفعت ثمنًا باهظًا للحرب، وما زالت آثارها تلاحقها حتى اليوم.
تروي المهندسة ليندا تفاصيل تلك الأيام بمرارة، قائلة:"في أبريل 2015، لم يكن أمامنا سوى ثوانٍ معدودة لنختار بين ممتلكاتنا وأرواحنا. غادرنا منزلنا تاركين خلفنا كل ما نملك، دون أموال أو مدخرات أو حتى وثائق تثبت هويتنا. لم ننجُ إلا بأرواحنا. خرجنا بما كنا نرتديه من ملابس، حفاة الأقدام، وكانت تلك بداية مأساة لم تنتهِ فصولها حتى اليوم"، وتضيف:"في الثاني من أبريل 2015، اقتربت الاشتباكات العنيفة من حيّنا في كريتر، واشتدت بصورة مرعبة. فجأة اندلع حريق هائل في الشقة الواقعة أسفل منزلنا مباشرة، وبدأت ألسنة اللهب تمتد سريعًا نحو شقتنا. حاولنا بكل ما أوتينا من قوة إخماد النيران، لكنها كانت أقوى من إمكانياتنا. وبعد دقائق، جاءنا تحذير عاجل بضرورة إخلاء المنزل فورًا بعدما خرج الحريق عن السيطرة. خرجنا ونحن لا نعلم إلى أين نتجه، تاركين خلفنا كل شيء، حتى أحذيتنا".
وتتابع: "ما إن خرجنا من بوابة العمارة حتى وجدنا أنفسنا وسط ساحة معركة حقيقية، حيث كان القنص متبادلًا بين المقاومة والحوثيين. ركضنا ونحن نضع أيدينا على قلوبنا خوفًا من رصاصة طائشة، وبفضل الله نجونا جميعًا، لكن تلك النجاة لم تكن سوى بداية رحلة طويلة من المعاناة".
- رحلة النزوح...خمس محطات من الألم
بعد النجاة من الموت، بدأت معركة أخرى لا تقل قسوة."لم يكن لدينا طعام ولا شراب ولا مأوى، والأسوأ أننا فقدنا وثائقنا الشخصية، فلم نعد نستطيع استلام رواتبنا أو إنجاز أبسط معاملاتنا. بدأنا رحلة نزوح طويلة، فكانت محطتنا الأولى منزل أحد الأقارب، ثم انتقلنا إلى منزلين تبرع أصحابهما باستضافتنا، قبل أن نضطر للنزوح مجددًا مع اقتراب المعارك، ثم استقررنا مؤقتًا في مدينة إنماء. وبعدها أجبرتنا الظروف على السفر إلى محافظة إب، وهناك، وبعد معاناة كبيرة، تمكنا أخيرًا من استخراج جوازات سفر، لتكون أول وثائق رسمية نحصل عليها منذ يوم الحريق".

تقول المهندسة ليندا: "بعد توقف الحرب، عدنا إلى عدن محملين بالأمل، لكن الواقع كان أقسى مما توقعنا. وجدنا عمارة العائلة، المكونة من ست شقق، وقد دُمرت بالكامل وسُويت بالأرض، وكانت لنا فيها شقتان".
وتضيف:"لم نخسر منزلًا فقط، بل خسرنا أمي أيضًا. لم تتحمل رؤية شقاء العمر وهو ينهار أمام عينيها، فأصيبت بذبحة صدرية توفيت على إثرها. ماتت وهي تحلم بالعودة إلى منزلها".
وتختتم المهندسة حديثها:"منذ ذلك اليوم ونحن نعيش حربًا من نوع آخر. ندور في دوامة الإيجارات، بينما تتراجع قيمة الرواتب باستمرار، ويطالبنا ملاك المنازل بالدفع بالعملة الصعبة. طرقنا أبواب المسؤولين والجهات الحكومية، وقدمنا مناشدات كثيرة للحصول على تعويض أو مساعدة، لكن دون استجابة.انتهت الحرب العسكرية، لكن حربنا اليومية من أجل تأمين سقف يحمينا ما زالت مستمرة".
- نجونا بأرواحنا وخسرنا كل شيء
لم تكن الحرب بالنسبة لأم عبد الله مجرد ذكرى، بل أصبحت واقعًا تعيشه منذ عام 2015، بعدما فقدت منزلها، وتنقلت بين محطات النزوح والإيجارات، بينما بقي ملف تعويضها دون حل. تقول:"نحن من الأسر المتضررة من الحرب، وبيتنا في عمارة الأسماك بحي الأحمدي احترق بالكامل. ومنذ ذلك اليوم لم نحصل على أي دعم، لا من جهة حكومية ولا من أي منظمة. وكلما راجعنا الجهات المعنية، أخبرونا أن اسمنا سقط من كشوفات المتضررين، ولا نعلم لماذا".

وتضيف:"أسكن اليوم في منزل مستأجر مكوّن من غرفة وصالة في حي الإنشاءات بخور مكسر، وأحتفظ بملف كامل يثبت أحقيتنا في التعويض. ما زالت العمارة شاهدة على الحرب، كما ما زالت معاناتنا مستمرة".

وتقول بحرقة:"الله وحده يعلم بحالنا. تحملنا ما لا طاقة لنا به، ولم يبقَ لنا سوى ذكريات ما قبل الحرب، وملف كامل يثبت حقنا" وتتابع:"والله ما عوضنا أحد بأي شيء طوال أحد عشر عامًا. راتب زوجي لا يتجاوز 85 ألف ريال، ومنه ندفع الإيجار، ونوفر المعيشة والعلاج، ولم يعد يتبقى لنا شيء".

وتسترجع رحلة النزوح:"بعد احتراق منزلنا في مارس 2015، نزحنا إلى المنصورة، ثم إلى مدينة الشعب، وبعدها إلى القرية، قبل أن نعود إلى عدن في السابع والعشرين من رمضان. تنقلنا بين بيوت الإيجار سنوات طويلة، ثم اضطررنا إلى السكن في منزل كانت مياه الصرف الصحي تغمره باستمرار، فعشنا ثمانية أشهر وسط معاناة لا توصف، قبل أن ننتقل إلى منزل آخر ما زلنا نستأجره حتى اليوم".
وتختتم رسالتها: "أتمنى أن يصل صوتنا إلى من بيدهم القرار. نحن لا ذنب لنا في هذه الحرب التي أحرقت كل شيء. كل ما نريده هو أن نعود إلى بيتنا، وأن نحصل على التعويض الذي نستحقه".

لقد توقفت أصوات المدافع منذ سنوات، لكن صدى الحرب ما زال حاضرًا في بيوت مهدمة، وأسر أنهكتها الإيجارات، وأمهات ينتظرن تعويضًا طال غيابه.

إن إنصاف المتضررين ليس منحة، بل حق، ورد اعتبار لمن فقدوا منازلهم وأمانهم بسبب الحرب. فهل تجد هذه الأصوات من يصغي إليها بعد أحد عشر عامًا من الانتظار؟















