> عدن «الأيام» خاص:

  • معادلة غير عادلة..عدن تورد 60 بالمائة من موازنة الدولة وتحصل على الفتات
  • محللون: المحافظ شيخ وضع بمواجهة أزمة مركبة بصلاحيات محدودة للمحافظة
  • مصادر:السلطة المحلية في عدن تعاني من"الحسابات المعقدة" للسلطة المركزية
  • تحميل المحافظ وحده مسؤولية التدهور الخدمي والمعيشي بعدن يتجاهل الحقائق
  • استهداف"شيخ" حلقة من صراع دائر حول الموارد والنفوذ داخل مؤسسات الدولة
شهدت منصات التواصل الاجتماعي وعدد من المواقع الإخبارية اليمنية خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حجم المواد الإعلامية والمنشورات التي تستهدف وزير الدولة محافظ العاصمة عدن عبدالرحمن شيخ، في ظاهرة يرى متابعون أنها تجاوزت حدود النقد التقليدي لأداء السلطة المحلية، لتتحول إلى حملة إعلامية مكثفة تتزامن مع واحدة من أصعب الأزمات الخدمية التي تعيشها المدينة.

ورغم أن عدن شهدت على مدى السنوات الماضية حملات انتقاد متكررة استهدفت مسؤولين محليين بسبب تدهور الخدمات، إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن حجم المنشورات الموجهة ضد المحافظ خلال الشهر الماضي، وسرعة انتشارها، وتكرار الرسائل ذاتها عبر منصات متعددة، يعكس مستوى غير مسبوق من التركيز على شخص المحافظ أكثر من تركيزه على الأسباب البنيوية للأزمات التي تواجه المحافظة.

وتنوعت المواد المنشورة بين انتقادات تتعلق بأزمة الكهرباء وانقطاع المياه وتدهور الخدمات الأساسية، وأخرى تناولت أداء السلطة المحلية، بينما ذهبت بعض المنصات إلى نشر تكهنات بشأن قرب إقالة المحافظ أو وجود خلافات مع جهات نافذة، وهي معلومات لم يصدر بشأن معظمها أي تأكيد رسمي.

ويرى محللون أن المحافظ عبدالرحمن شيخ وجد نفسه في واجهة أزمة مركبة تتداخل فيها ملفات الكهرباء والوقود والتمويل المركزي والصلاحيات المحدودة للمحافظة، وهي ملفات سبق أن شكلت تحديًا لجميع من تولوا إدارة العاصمة المؤقتة خلال السنوات الماضية.

وفي المقابل، واصلت السلطة المحلية خلال الفترة ذاتها الإعلان عن سلسلة من الاجتماعات واللقاءات الرسمية الخاصة بالمشاريع التنموية، وتعزيز الأداء المؤسسي، والتنسيق مع شركاء التنمية والسفارات، بما يعكس استمرار النشاط الإداري للمحافظة رغم تصاعد الانتقادات الإعلامية.

ويضيف مسؤولون محليون أن أحد أبرز أوجه الاختلال في علاقة عدن بالحكومة المركزية يتمثل في أن إيرادات المحافظة تورد إلى خزينة الدولة بصورة منتظمة، في وقت لا تلتزم فيه محافظات أخرى بتوريد كامل إيراداتها السيادية والمحلية، الأمر الذي يضع عدن أمام معادلة غير عادلة: فهي تمول جزءًا كبيرًا من نفقات الدولة، لكنها لا تحصل في المقابل على ما يكفي لتغطية احتياجاتها الخدمية والتنموية.

وبحسب تقديرات متداولة في الأوساط الحكومية والمحلية، فإن إيرادات عدن تمثل نحو 60 في المئة من دخل الحكومة اليمنية، بالنظر إلى ما توفره المدينة من موارد عبر الميناء والجمارك والضرائب والمصافي والمؤسسات الإيرادية الأخرى، غير أن هذه الموارد لا تنعكس بصورة مباشرة على تحسين الخدمات داخل المحافظة، ولا سيما الكهرباء والمياه والنظافة والطرقات.

ويرى مراقبون أن استمرار توريد إيرادات عدن إلى الدولة، مقابل احتفاظ محافظات أخرى بجزء كبير من إيراداتها أو عدم توريدها بالانتظام ذاته، يضاعف الأعباء الواقعة على محافظ عدن، إذ يجد نفسه مطالبًا أمام المواطنين بتوفير الخدمات وتحسين البنية التحتية، بينما تذهب معظم الموارد التي تنتجها المحافظة إلى المركز ولا تعود إليها إلا بصورة محدودة ومتقطعة.

وتقول مصادر محلية إن هذا الخلل المالي والإداري يقلص قدرة السلطة المحلية على تنفيذ مشاريع تنموية عاجلة، ويفرض عليها انتظار اعتمادات مركزية غالبًا ما تتأخر أو تخضع لحسابات سياسية وإدارية معقدة، ما يجعل المحافظ في الواجهة أمام الرأي العام، رغم أن أدوات المعالجة المالية ليست بيده وحده.

وفي هذا السياق، يعتبر متابعون أن تحميل محافظ عدن وحده مسؤولية تدهور الخدمات يتجاهل طبيعة العلاقة المختلة بين المركز والمحافظة، ويتجاهل كذلك أن عدن، بوصفها العاصمة ومركزًا اقتصاديًا وإيراديًا رئيسيًا، تتحمل أعباء دولة كاملة، بينما لا تحصل على نصيب عادل من مواردها لتلبية احتياجات سكانها.

بالمقابل فإن توريد مأرب على سبيل المثال إلى خزينه الدولة كان صفر طوال السنوات الماضية ومثلها حضرموت.. بينما رواتب الموظفين في المحافظتين تدفع من إيرادات عدن.

ويشير متابعون إلى أن أي مسؤول يتولى إدارة عدن يواجه تحديات استثنائية، نظرًا لاعتماد معظم الخدمات الأساسية على قرارات وتمويلات مركزية، وفي مقدمتها ملف الكهرباء، الذي يرتبط بتوفير الوقود وقرارات حكومية تتجاوز صلاحيات السلطة المحلية.

كما يلفتون إلى أن عددًا من المنصات الإعلامية والحسابات الناشطة دأبت على إعادة تدوير الرسائل ذاتها بصيغ مختلفة، الأمر الذي ساهم في توسيع انتشار الانتقادات، بينما يصعب الجزم بما إذا كان ذلك يعكس تنسيقًا بين تلك المنصات أو مجرد تفاعل متزامن مع حالة الغضب الشعبي الناتجة عن استمرار تدهور الخدمات.

وكان المحافظ قد واجه منذ الأشهر الأولى لتوليه المنصب انتقادات تتعلق باستمرار تدهور الخدمات وغياب التغيير الإداري، وهي انتقادات تداولتها وسائل إعلام محلية ومواقع إلكترونية مختلفة. 

ويرى خبراء في الإعلام السياسي أن الأزمات الخدمية غالبًا ما تتحول إلى بيئة خصبة لتصفية الحسابات السياسية، حيث يصبح المسؤول التنفيذي الأكثر حضورًا في المشهد هدفًا مباشرًا للنقد، سواء كان يمتلك أدوات الحل أو كانت معظم أسباب الأزمة خارجة عن نطاق صلاحياته.

وفي ظل استمرار أزمة الكهرباء والخدمات، يتوقع مراقبون أن تبقى الحملات الإعلامية والانتقادات الإلكترونية جزءًا من المشهد السياسي في عدن خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات سياسية وإدارية جديدة، ما يجعل الحاجة ملحة إلى تعزيز الشفافية، وإطلاع الرأي العام بصورة مستمرة على طبيعة الصلاحيات والمسؤوليات الفعلية لكل جهة حكومية، بما يسهم في توجيه النقاش العام نحو معالجة جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بتبادل الاتهامات.

 أن استهداف محافظ عدن لا يمكن فصله عن الصراع الدائر حول إدارة الموارد والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا مع تفاقم أزمة الكهرباء وما رافقها من تبادل للاتهامات بين عدد من الجهات الحكومية.

ويشير مسؤولون محليون إلى أن أزمة وقود محطات الكهرباء في عدن تفاقمت بعد توقف توريدات النفط الخام من حقل العقلة بمحافظة شبوة، إثر إضراب نفذه عمال الحقل احتجاجًا على تأخر صرف مستحقاتهم المالية بعد توقف وزارة المالية عن صرف الاعتمادات المخصصة لهم، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة محطات التوليد في العاصمة المؤقتة على الاستمرار في الإنتاج، الأمر الذي زاد من حدة الغضب الشعبي تجاه السلطة المحلية، رغم أن أسباب الأزمة تعود إلى قرارات وإجراءات تتجاوز صلاحيات المحافظة وتتعلق بوزارة المالية حصرًا.

وفي السياق ذاته، يلفت مسؤولون في السلطة المحلية إلى أن الحكومة المركزية تتخذ في عدد من الأحيان قرارات تتعلق بالمناصب التنفيذية في عدن دون التشاور مع محافظ المحافظة أو السلطة المحلية، وهو ما حدث - بحسب تلك المصادر - في عدد من التعيينات الأخيرة، من بينها تعيينات في مصلحة الضرائب، الأمر الذي يحد من قدرة السلطة المحلية على إدارة مؤسسات المحافظة وتحمل مسؤولياتها أمام المواطنين.

كما تتحدث مصادر سياسية عن نشاط يقوم به عدد من المسؤولين اليمنيين في العاصمة السعودية الرياض، يتمثل في نقل صورة سلبية عن أداء محافظ عدن والتحريض ضده داخل دوائر صنع القرار، في إطار صراع سياسي يتجاوز حدود الإدارة المحلية إلى التنافس على النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

ويربط مراقبون بين تصاعد الحملة الإعلامية وبين الإجراءات التي اتخذتها السلطة المحلية خلال الأشهر الماضية لإعادة تنظيم عدد من الملفات الإدارية والمالية، والتي يقولون إنها أضرت بمصالح شبكات نفوذ اعتادت الاستفادة من اختلالات إدارية ومالية استمرت لسنوات. ووفق هذا الطرح، فإن بعض المتضررين من فقدان تلك الامتيازات باتوا يمتلكون حافزًا لتمويل حملات إعلامية وإلكترونية تستهدف المحافظ بهدف إضعاف موقفه السياسي والإداري.

التزامن بين تصاعد الحملات وبين خسارة بعض مراكز النفوذ لمصالحها الاقتصادية دفع عددًا من المراقبين إلى اعتبار هذه الفرضية أحد التفسيرات المطروحة لما يجري، ويرى ناشطون علي منصة فيسبوك أن مصادر تمويل الحملات الإعلامية المنظمة، أياً كانت الجهة التي تقف خلفها.

محافظ عدن أصبح يواجه معادلة معقدة؛ فهو يتحمل أمام الرأي العام مسؤولية أزمات ترتبط في جانب كبير منها بقرارات سيادية ووزارية لا يملك سلطة إصدارها أو تعديلها، بينما يجد نفسه في الوقت ذاته هدفًا لانتقادات وحملات إعلامية تتجاوز في كثير من الأحيان تقييم الأداء التنفيذي إلى الاستهداف السياسي الشخصي.