إلى مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الحكومة..

إن قيام الدولة الحقيقية يبدأ من احترام القانون وصون كرامة الإنسان. فلا يمكن لأي سلطة أن تكتسب ثقة الناس ما لم يكن ميزان العدالة واضحًا، وما لم تكن الحرية مصونة تحت مظلة القضاء والقانون.

لقد مرت بلادنا بسنوات قاسية من الحرب والفوضى، تداخلت خلالها السلطات، وظهرت تشكيلات مسلحة متعددة، ورافق ذلك انتشار عدد من السجون ومراكز الاحتجاز خارج الإطار القانوني. وفي العاصمة المؤقتة عدن وبعض المحافظات الجنوبية، برزت خلال تلك المرحلة سجون سرية أُنشئت بعيدًا عن رقابة القضاء والنيابة العامة.

واليوم، وبعد كل هذه السنوات، يبرز سؤال مهم أمام الجميع: هل حان الوقت لتبييض السجون وإغلاق هذا الملف المؤلم؟

إن بقاء أي سجون خارج سلطة الدولة والقانون يشكل جرحًا مفتوحًا في جسد المجتمع، ويقوض الثقة بمؤسسات الدولة. فهناك أسر كثيرة لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها، وآخرون أمضوا فترات طويلة رهن الاحتجاز دون محاكمة واضحة أو إجراءات قانونية مكتملة.

كما أن هناك ملفًا أكثر إيلامًا وخطورة، وهو ملف المخفيين قسرًا، وهم كثيرون، لا تعرف أسرهم أين هم ولا في أي سجن يُحتجزون، ولا ما هي التهم الموجهة إليهم. إن بقاء هذا الملف دون معالجة يضاعف معاناة العائلات ويترك جرحًا إنسانيًا عميقًا في ضمير المجتمع.

إن معالجة هذا الملف لا يجب أن تُفهم على أنها استهداف لأي طرف، بل هي ضرورة وطنية وأخلاقية لبناء دولة يسودها القانون والعدالة.

ولهذا فإن المطلوب اليوم خطوات جادة وواضحة، من أهمها:

• حصر جميع السجون ومراكز الاحتجاز في عدن وبقية المحافظات.

• إغلاق أي سجون سرية أو غير قانونية.

• إخضاع جميع أماكن الاحتجاز لإشراف النيابة العامة والقضاء.

• الإفصاح عن جميع المخفيين قسرًا وكشف مصيرهم دون تأخير.

• إطلاق سراح كل من لم تثبت عليه تهم أو لم يصدر بحقه حكم قضائي.

• ضمان محاكمات عادلة وشفافة لكل من لديهم قضايا منظورة أمام القضاء.

إن بناء الدولة لا يتم بالشعارات، بل بالعدل. والعدل يبدأ حين يشعر المواطن أن حريته مصونة، وأن القانون فوق الجميع دون استثناء.

لقد عانى اليمنيون كثيرًا من سنوات الصراع والانقسام، وما يحتاجه الناس اليوم هو خطوات شجاعة تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.

ولعل تبييض السجون، وإغلاق السجون السرية، والإفصاح عن المخفيين قسرًا سيكون رسالة قوية بأن مرحلة جديدة بدأت، مرحلة تُطوى فيها صفحات الفوضى، وتُفتح فيها صفحة دولة القانون والعدالة.

فهل نرى هذه الخطوة قريبًا؟