في ربيع عام 2003، اتخذت سلطة الاحتلال في العراق قرارين بدا في حينها أنهما يهدفان إلى "إعادة بناء الدولة"، لكن التاريخ سرعان ما كشف أنهما كانا أخطر قرارات دفعت بالبلاد إلى الفوضى.
الأول: حلّ الجيش العراقي، المؤسسة التي ظلت لعقود العمود الفقري للدولة.
والثاني: اجتثاث حزب البعث وإقصاء عشرات الآلاف من أعضائه من مؤسسات الدولة.
- العراق 2003: قراران.. وكارثة
بدا القراران في البداية إجراءً إداريًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي، لكن نتائجهما على الأرض كانت كارثية. فجأة، وجد مئات الآلاف من العسكريين والموظفين أنفسهم خارج الدولة، بلا دور ولا مستقبل، بينما أُفرغت المؤسسات الأمنية من خبراتها دفعة واحدة. وفي الفراغ الذي نشأ، بدأت الميليشيات الطائفية تتمدد، وتحولت المدن العراقية إلى ساحات صراع مفتوح.
- من فكّك الدولة.. احتضن الفوضى
لم يكن ما تلا ذلك من عنف طائفي غير مسبوق – تفجيرات يومية، اغتيالات، وتهجير واسع – من قبيل المصادفة. لقد فتح حلّ الجيش واجتثاث البعث الباب لانهيار منظومة الدولة، فحلت محلها الهويات الفرعية والسلاح المنفلت، ودفعت البلاد ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها.
- المستفيد الأكبر: كيف ملأت إيران الفراغ؟
لكن النتيجة الأكثر خطورة كانت أن الفوضى التي أعقبت تلك القرارات لم يستفد منها أحد بقدر ما استفادت منها إيران. فبينما كان العراق يغرق في صراعاته الداخلية، تمدد النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة والأحزاب والميليشيات، حتى أصبح العراق، بعد سنوات قليلة من سقوط نظام صدام حسين، ساحة نفوذ إقليمية خالصة لطهران.
ولم يكن الخليج بعيدًا عن هذه الكارثة. فبتفكيك الدولة العراقية دفعة واحدة، تحول البلد إلى فراغ استراتيجي ملأته الميليشيات والنفوذ الإيراني. وبمرور الوقت، لم يعد العراق ساحة داخلية مضطربة فحسب، بل بات مجالًا مفتوحًا لتوسع إقليمي عانت منه المنطقة كلها، وفي مقدمتها دول الخليج التي وجدت نفسها أمام عراق مختلف تمامًا عما كان عليه.
- درس العراق: الاجتثاث لا يبني دولاً
هذه التجربة القاسية تقدم اليوم درسًا سياسيًّا بالغ الأهمية لكل من يفكر في تكرار وصفات "الاجتثاث" في مجتمعات خارجة من الحروب. فالدول لا تُعاد بناؤها عبر تفكيك كل ما هو قائم دفعة واحدة، ولا عبر إقصاء مكونات اجتماعية وعسكرية واسعة، لأن مثل هذه القرارات لا تنتج دولة جديدة بقدر ما تنتج فراغًا خطيرًا، وحقدًا متراكمًا، واندفاعًا نحو العمل المسلح غير المنظم.
- الجنوب اليوم: هل يستنسخ السيناريو نفسه؟
اليوم، يطلّ مشهد في جنوب اليمن يثير قلقًا مشروعًا. فالأصوات الداعية إلى حل المجلس الانتقالي الجنوبي واجتثاث تشكيلاته العسكرية – من ألوية عسكرية ونخب وأحزمة أمنية – تبدو قريبة في منطقها من تلك التجربة العراقية التي أثبتت الأيام خطورتها.
- لماذا لا يمكن اجتثاث هذه التشكيلات؟
هذه التشكيلات، بصرف النظر عن المواقف السياسية منها، لم تنشأ في فراغ. لقد تشكلت في سياق حرب طويلة ومعقدة، وشاركت في تحرير مدن جنوبية عدة من قبضة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، وأصبحت مع مرور الوقت جزءًا من النسيج الأمني والعسكري في عدن وسائر المحافظات الجنوبية التي تحررت بجهود أبنائها وتضحياتهم.
- من تفكيك القوات إلى تفكيك المجتمع
إن التعامل مع هذا الواقع بعقلية "الاجتثاث" لا يهدد توازنًا عسكريًّا هشًا فحسب، بل يفتح الباب أمام توترات اجتماعية ومناطقية خطيرة. فحين يُنظر إلى تلك التشكيلات على أنها مجرد قوات ينبغي تفكيكها أو إلغاؤها، فإن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أنها تمثل – في نظر قطاع واسع من الجنوبيين – امتداداً لدورهم في الدفاع عن مناطقهم وإدارة أمنها.
- عامل الشمال: حين يكون المنفذ خصمًا
وتزداد حساسية المسألة حين يكون تنفيذ مثل هذه القرارات بيد قيادات عسكرية أو سياسية يُنظر إليها في الجنوب باعتبارها قادمة من الشمال. ففي هذه الظروف، قد يتحول قرار إداري أو عسكري إلى قضية وجود وهوية في الوعي الشعبي، وهو ما يضاعف احتمالات الانقسام والتصعيد.
- فراغ ينتظر من يملأه.. والحوثي في الأفق
وهنا يتجلى الخطر الأكبر. فالحديث عن اجتثاث تشكيلات عسكرية جنوبية واسعة قد يُفهم في الوعي العام على أنه استهداف للبنية الاجتماعية التي أنتجتها. وبذلك، لا يعود الأمر تفكيك قوات، بل قد يبدو وكأنه تفكيك لدور مجتمع كامل في إدارة أمن أرضه.
وهنا تحديدًا يبرز التشابه المقلق مع التجربة العراقية: تفكيك قوى قائمة من دون بدائل واقعية ومتوافق عليها يخلق فراغًا، والفراغ في بيئات مضطربة لا يبقى طويلًا دون أن تملأه قوى أخرى.
وفي الحالة اليمنية، تبدو هذه الفرضية أكثر واقعية، خصوصًا في ظل وجود قوة مسلحة منظمة ومدعومة إقليميًّا في الشمال، ما تزال في كامل جاهزيتها السياسية والعسكرية. فبينما يُطرح تفكيك قوى تشكلت في الجنوب أثناء الحرب، يقف خصمها في الضفة الأخرى أكثر تماسكًا ويقظة.
- إيران تتربص: هل يكون الجنوب هو الضحية القادمة؟
لذلك، فإن السيناريو الأخطر لا يكمن فقط في احتمال اندلاع توترات مناطقية داخل الجنوب، بل في احتمال أن يؤدي أي فراغ أمني واسع إلى فتح المجال أمام تمدد قوى أخرى في الصراع اليمني. والتجربة العراقية تقول بوضوح إن مثل هذه الفراغات الاستراتيجية نادرًا ما تبقى بلا مستفيد.
بل إن احتمال استفادة إيران – مرة أخرى – من مثل هذا السيناريو في اليمن يبدو احتمالًا واقعيًّا، خاصة وأن وكيلها المحلي في البلاد ما يزال في كامل عافيته السياسية والعسكرية، ويتابع تطورات المشهد بيقظة.
- خياران لا ثالث لهما: التوافق أم الفوضى؟
لذا، فإن أي مسار لإعادة تنظيم القوات أو دمجها في مؤسسات الدولة لا بد أن يقوم على التدرج والتوافق والضمانات المتبادلة، لا على منطق الإلغاء والإقصاء. فالقضية هنا ليست مجرد إعادة هيكلة عسكرية، بل إدارة توازن اجتماعي وسياسي شديد الحساسية في منطقة خرجت لتوها من حرب طويلة.
إن الجنوب، مثل العراق من قبل، يقف عند مفترق طرق دقيق. فإما أن تُدار التحولات فيه بعقل سياسي يدرك تعقيدات الواقع وتوازناته، وإما أن يُفتح الباب أمام تكرار أخطاء أثبت التاريخ أن كلفتها تكون دائمًا أكبر بكثير مما يتصوره أصحاب القرارات المتسرعة.
والدرس الذي يقدمه العراق بوضوح هو أن"الاجتثاث" قد يبدو في لحظته قرارًا حاسمًا، لكنه في كثير من الأحيان لا يكون سوى الشرارة الأولى لفوضى طويلة، تدفع المجتمعات ثمنها لسنوات وربما لعقود.