​مرّ شهر رمضان هذا العام على نحوٍ مختلف، سريعًا على غير العادة، كأن الزمن قرر أن يتجاوز تفاصيله دون أن يمنحنا فرصة كافية لالتقاط أنفاسنا أو التوقف عند محطاته الروحية والإنسانية. ولعل هذا الشعور المتسارع لا يرتبط فقط بإيقاع الحياة، بل يتقاطع بوضوح مع حالة داخلية مثقلة، صنعتها التحولات الشخصية والظروف العامة التي نعيشها.

ففي كل عام، يحمل رمضان معه طقوسًا من السكينة والتأمل، غير أن هذا العام جاء محمّلًا بغيابٍ مؤلم. وجوهٌ كانت حاضرة في مثل هذه الأيام، باتت اليوم ذكرى، وأصواتٌ كانت تملأ البيوت دفئًا، غابت تاركةً فراغًا لا يُملأ. وهنا، لا يعود الزمن مجرد ساعاتٍ تمضي، بل يصبح شاهدًا على الفقد، ومسرحًا لاستعادة ما لم يعد ممكنًا.

وعلى مستوى أوسع، لا يمكن فصل هذا الإحساس الفردي عن السياق العام الذي يعيشه الوطن. إذ تستمر الأزمات في فرض نفسها، وتتكرر المشاهد ذاتها، في دورةٍ تبدو مغلقة. كلما لاحت بارقة أمل، سرعان ما تتلاشى أمام تعقيدات الواقع، ليجد المواطن نفسه يعود إلى نقطة البداية، محمّلًا بخيباتٍ جديدة.

لقد أصبح التقلّب سمةً أساسية في المشهد، سواء على مستوى الأوضاع أو على مستوى الأشخاص. حالة من عدم اليقين تفرض نفسها، تجعل الحاضر غامضًا، والمستقبل مفتوحًا على احتمالاتٍ مقلقة. وفي ظل هذا المشهد، تتراجع الأولويات، وتزداد الضغوط، ويجد الإنسان نفسه عالقًا بين رغبةٍ في الاستقرار وواقعٍ لا يمنحه ذلك.

ومع ذلك، ورغم قتامة الصورة، يبقى الأمل عنصرًا حاضرًا، وإن كان هشًّا. فالمجتمعات التي عرفت الصبر، قادرة – ولو بعد حين – على إعادة بناء ذاتها. وربما يكون التحدي الأكبر اليوم هو الحفاظ على هذا الخيط الرفيع من الأمل، في وجه كل ما يهدده.

إن وداع رمضان هذا العام لا يقتصر على نهاية شهرٍ كريم، بل يتجاوز ذلك ليحمل دلالات أعمق، تتعلق بحال الإنسان والوطن معًا. وبين الذاكرة المثقلة، والواقع المعقّد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يحمل القادم ما يعوّض هذا الثقل، أم أننا سنظل ندور في الدائرة ذاتها؟

سؤالٌ لا تزال إجابته معلّقة… بانتظار زمنٍ أكثر وضوحًا ورحمة.