قال تعالى (( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)) الأنفال 46.

لم يعد الجنوب اليوم بحاجه إلى من يكرر وصف ما آل إليه حاله لأن الواقع نفسه بات أبلغ من كل وصف وأقسى من كل خطاب غير أن ما يحتاجه الجنوبيون في هذه اللحظة بالذات هو أن يدركوا بوضوح أن ما وصلوا إليه لم يكن نتيجة حادث عابر ولا ثمرة تعثر مؤقت بل حصيلة موروث طويل من الإخفاقات انتقل من مرحله إلى أخرى حتى صار كأنه أمر مألوف مع أنه في حقيقته مجموعة أخطاء متراكمة وغياب متكرر للرؤية الجامعة وإهدار مستمر للفرص.

فمنذ ما قبل الاستقلال دخل الجنوب تاريخه الحديث من دون أن ينجح في بناء إطار جامع يوازن بين تعدده القائم ووحدة مصيره ثم جاءت المراحل اللاحقة فبدل أن تعالج هذا الخلل على قاعدة الشراكة والعدل ورثت أسوأ ما قبلها مركزية غير متوازنة وصراعات داخلية وتآكلًا في الثقة واستنزافًا للكفاءات ثم اختلالا في الشراكة بعد الوحدة ثم تكريسا للغلبة والإقصاء بعد 1994 ثم تعثرا في تحويل القضية الجنوبية في المراحل التالية إلى مشروع جامع قادر على حمل الجرح والمستقبل معا.

وهكذا ظل الجنوب يتنقل من أزمة إلى أخرى ومن إخفاق إلى إخفاق من دون أن ينجح في كسر أصل الخلل الذي يعيد إنتاج نفسه في كل مرحلة بصورة أشد وأعمق.

ولعل أكثر ما يوجب المراجعة الصادقة أن الجنوب لم يكن في أكثر من محطة فاقد لعوامل النهوض فقد توفرت له في أزمنة متعددة فرص سياسية ومؤسسية وتنموية كان يمكن أن تضعه في موقع أفضل بكثير مما هو عليه اليوم.

غير أن الذي غلب في كل مرة لم يكن منطق البناء بل غياب الرؤية الجامعة وضعف الإرادة في ترجيح المصلحة العامة وتقديم الحسابات الضيقة على مقتضيات الدولة والعدل والاستقرار ولهذا أهدرت الفرص تباعا حتى وجدت مجتمعات ودول كانت أقل منا من حيث الإمكانيات أو الموقع أو البدايات طريقها إلى الصعود بينما هبط الجنوب تدريجيا إلى قاع سلم التطور.

غير أن استحضار هذا الموروث لا ينبغي أن يقود إلى اليأس بل إلى الصحوة لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعوب ليس فقط تكرار الإخفاق بل الاعتياد عليه والتسليم به والتعامل معه كأنه قدر لا يرد وهنا تكمن المسؤولية التاريخية للجنوبيين اليوم أن يدركوا أن استمرار هذا المسار لن يعنى فقط بقاء الجنوب في أزماته بل سيعني مزيدا من التآكل واستنزاف المجتمع وضياع الفرص ومزيدا من الأثمان التي ستدفعها الأجيال القادمة لا عن أخطائها بل عن أخطاء من سبقها.

ومن هنا فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة كلام إضافي ولا ترفا فكريا بل لحظة فرصة ينبغي ألا تضيع وحوار الرياض إذا أحسن التعامل معه يمكن أن يكون أكثر من مجرد استحقاق سياسي أو مناسبة عابرة يمكن أن يكون بداية كسر حقيقي لمسار الفشل المتراكم شريطة ألا يفهم بوصفه ساحة محاصصة جديدة ولا إطار لإعادة إنتاج المخاوف القديمة بل فرصة لترتيب البيت الداخلي الجنوبي على أسس أعدل وأوسع قبولا وأكثر قدرة على تأسيس ما بعدها.

أن الاستفادة الحقيقية من هذه الفرصة نبدأ من وعي واضح بأن الجنوب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الغلبة بل إلى مزيد من العدالة ولا يحتاج إلى رفع السقوف وحده بل إلى بناء القاعدة التي تحملها ولا يحتاج إلى اجترار المظلومية فقط بل إلى تحويلها إلى مشروع سياسي ومؤسسي وتنموي منظم ولا تحتاج إلى تكرار الماضي بل إلى التعلم منه حتى لا يورثه مرة أخرى للمستقبل.

إن الدرس الأهم من هذا الموروث المدمر ليس فقط أن المراحل السابقة أخفقت بل إن كل مرحلة دفعت ثمن ما قبلها ثم سلمت لمن بعدها ما هو أثقل وأشد خطرا وإذا لم تكسر هذه السلسلة الآن فإن الجنوب لن يدفع الثمن في حاضره وحده بل سيدفعه في مستقبله أيضًا وستحمله الأجيال القادمة أعباء لم تصنعها لكنها ستعيش نتائجها كاملة.

ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست إلى شعار جديد ولا إلى اصطفاف إضافي بل إلى رؤية تصلح لبداية عهد أفضل رؤيه تعترف بالمظالم وترتب الداخل وتعيد التوازن وتفتح باب الحوار على أسس عادله وتربط التوافق بالتنمية وتجعل مصلحه الناس فوق الحسابات الضيقة وعندها فقط يمكن أن يتحول حوار الرياض من فرصة مهددة بالضياع إلى بداية حقيقية لمستقبل يتسع الجميع ويمنح الجنوب ما افتقده طويلا من استقرار وعدل وبناء.

فالجنوب ما زال يملك فرصة لكنه لا يملك ترف إضاعتها مرة أخرى. الواجب اليوم ليس أن نبكي ما فات بل إن نصحو قبل فوات الأوان، قال تعالى ((واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)) ال عمران 103 .

* نائب وزير الخارجية الأسبق